كاظم الطائي شهدت العاصمة البريطانية لندن مؤخرًا حادثة أثارت اهتمامي بشدة: توقيف أحد المشايخ حديثي العهد بالعمامة من قبل الشرطة. وعند البحث في خلفية الحدث، تبين أن السبب لا يتعلق بجريمة جنائية، بل يعود إلى صراع فكري محتدم، يتخذ من الدين غطاءً، لكنه في جوهره بعيد كل البعد عن المنهج العلمي والروح الإسلامية السمحة. غياب الأدب واحتكار الحقيقة إن المتابع لهذا النوع من الجدالات لا يحتاج إلى كثير تدقيق ليدرك أن كثيرًا منها تدار بعيدًا عن الأدلة، ويغيب عنها الحوار الراقي المبني على الاحترام والنية الصادقة في الوصول إلى الحقيقة. مقابل ذلك، نجد قلة من الأصوات التي تنتهج النقاش الواعي، وتحترم العقل، وتسعى إلى التوعية لا التهييج. وهنا، تظهر أهمية العقل الناضج، القادر على تمييز الغث من السمين، والحق من الباطل، مسترشدًا بما جاء في كتاب الله الكريم: “إنا هديناه النجدين، إماشاكراً وإما كفوراً” فالهداية متاحة، لكن القرار النهائي بيد الإنسان وعقله الذي منحه الله ليختار طريقه. الأجندات الخفية وشياطين الإنس إلا أن المشهد لا يخلو من توجيه مقصود، تقوده جهات ذات مصلحة في إبقاء هذا الخلاف قائمًا، بل في تغذيته حتى يتحول إلى صراع حقيقي على الأرض. هذه الأطراف – سواء كانت جماعات أو دول – تدرك تمامًا أن تفتيت وعي الأمة، وضرب وحدة مجتمعاتها من الداخل، لا يحتاج إلى جيوش، بل يكفيه نشر الفوضى الفكرية وزرع بذور الكراهية باسم الدين. هنا، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، التي طالما احتضنت المختلفين والمثيرين للجدل تحت شعار “حرية التعبير”. لكنها في الواقع، كانت تدرك جيدًا أبعاد هذا التناقض، وتستخدمه كأداة لإشعال فتيل الانقسام داخل المجتمعات الإسلامية. من لندن إلى الحجاز: تصدير الأزمة وقد وجدت هذه القوى في أرض الحجاز بيئة مناسبة لزرع بذور التشدد، ودعم أطراف متطرفة حملت أفكارًا تهدم أكثر مما تبني. هذه التيارات ساهمت بمرور الزمن في تمزيق النسيج الإسلامي، وتفتيت الوحدة بين المذاهب والتيارات، إلى أن أصبحت أداة تُستخدم لإضعاف الأمة من الداخل. اليوم، بدأت النيران تعود إلى أصحابها. فبريطانيا نفسها أصبحت تعاني من ارتدادات هذا التصدع الفكري على أرضها. ومع تزايد التهديدات الأمنية الناتجة عن تلك الصراعات، يُمكن القول إنها تواجه تبعات سياساتها، كما في المثل الشهير: “من حفر حفرة لأخيه، وقع فيها.” لا خلاف بدون علم إن جوهر الخلاف لا يُرفض، بل يُرحب به إذا كان قائمًا على أسس علمية ومنهجية رصينة. فالاختلاف سنة كونية، والحوار أحد أدوات تطور الفكر. لكن حين يتحول إلى سجال عبثي لا هدف له سوى تثبيت النفوذ أو تغذية الصراعات، فإننا أمام خطر حقيقي يهدد الأمن الفكري والاجتماعي للأمة. خلاصة القول إن ما يجري اليوم ليس مجرد جدال ديني، بل هو معركة وعي، تحتاج إلى عقول راشدة، تميز بين الدعوة الصادقة والنزعة الهدّامة. ولا بد من العودة إلى مرجعية القرآن، والانطلاق من فهم سليم، يضع الحقيقة فوق المصلحة، والعقل فوق الانفعال. فقط بذلك، يمكن للأمة أن تنهض من جديد، وتنجو من فخاخ الأجندات التي لا تريد بها خيرًا. |