اكرم كامل الخفاجي الحمد لله رب العالمين . اللهم صلِّ على محمد وآل محمد . نحن نعلم أن الذي يقف أمام نورٍ حِسِّي سيتكوَّن خلفه ظلّ وظلمة ، ويتصاغر هذا الظلّ وتندحر تلك الظلمة كلما اقترب من النور .. وزيارة أربعين الحسين (ع) إنما تمثّل ذلك النور في الطريق الى الجنة . للأربعين رسالة لا يفقهها إلا الذين خاضوا معركة الحق مع الباطل أو السائرين في نهجهم ، وهذه الرسالة ترتكز على سلوك الشهيد ونهجه ، وما يتبعه من تفاعل وعمل على استمرار النهج وترسيخ الرسالة وفقاً للسلوك السليم ، فكما أنه حي عند ربه يرزق ، فهو حي حاضر بقيمه ورسالته في الأمة . فالملايين من المُشاة المتجهين إلى كربلاء في زيارة الأربعين يؤكدون بمشيهم وتعبهم وبذل نفوسهم أن شهادة الكرام تنجب أبطالاً لا علاقة لهم بالخوف أبداً ، وأن المزيد من الإذلال والمهانة ترفع منسوب الشوق والتطلع إلى حياة العزة والكرامة . وقد روي نظير ذلك بالنسبة للإمام الحسين (ع) ، فعن زرارة عن أبي عبد الله الصادق (ع) : (إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم ، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسواد ، والشمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة ، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً الخ) . إن زيارة الأربعين هي من خصائص الإمام الحسين (ع) حيث لم يَرد إستحباب زيارة أحد من الأنبياء والأوصياء والأولياء في يوم الأربعين بعد وفاته أو شهادته .. وكذلك يوم عاشوراء فهي من مختصات الإمام الحسين (ع) .. ولا يخفى على من له إلمام واطلاع بالأحاديث الشريفة المرويّة حول زيارة الإمام الحسين (ع) إن هذا الأمر قد نال اهتمام أهل البيت (ع) إلى درجة كبيرة جداً ، بحيث أن زيارته حازت الصَّدارة في زيارة مراقد المعصومين أجمعين (عليهم السلام) . ولا غرابة في هذا الأمر ، ذلك لأن الإمام الحسين (ع) هو رمز التشيّع وهو سرُّ بقاء الإسلام إلى هذا اليوم ، وبإسمه تقام آلاف بل ملايين المجالس والمحافل والاجتماعات الدينية في شرق الأرض وغربها ، وبإسمه تؤسّس المؤسّسات والمراكز الثقافية والخيريّة والتوجيهيّة وغيرها . والناس ـ على اختلاف مذاهبهم وأديانهم واتّجاهاتهم ـ يشعرون في أعماق نفوسهم وقلوبهم باندفاع قويّ نحو أربعين الإمام الحسين (ع) لممارسة الشعائر المقدّسة ، فتراهم يبذلون أموالهم وأملاكهم في سبيله وبكل جود وسخاء .. وتراهم يشدُّون الرحال ويقطعون أُلوف الأميال ويتحمّلون مشاقّ السفر وعناء الطريق قاصدين كربلاء ليتشرّفوا بزيارة مرقد الإمام الحسين (ع) وأخيه أبي الفضل العباس (ع) . ونأتي هنا لنسبر غور هذه الزيارة ونتشرف بالكتابة عن بعض أهدافها كما تيسّر لهذا القلم المتواضع . أولاً : رغبة منهم في الحصول على الثواب الجزيل الذي أعدّه الله تعالى لزائر قبر الإمام الحسين (ع) في الآخرة .. ذلك الثواب الذي صرّحت به عشرات الأحاديث الصحيحة المعتبرة التي لا شكّ فيها ولا ريب . ثانياً : رغبة منهم في نيل البركات والآثار الدنيويّة التي يتفضّل الله تعالى على زائر قبر الإمام الحسين (ع) من سعة الرزق وطول العمر ودعاء الملائكة له ، وغيرها من البركات التي نطقت بها الأحاديث والروايات الصحيحة المعتبرة . ثالثاً : لأن زيارة الإمام الحسين (ع) شأنها شأن العبادات الأُخرى التي يتقرّب الإنسان بها إلى الله تعالى ، فزيارته «خير موضوع فمن شاء إستقلّ ومن شاء إستكثر» كما قال الإمام الصادق (ع) . رابعاً : ان العقل يحكم برجحان زيارته (ع) .. ولتوضيح ذلك فإن تقديس العظماء وتمجيد الأبطال بعد موتهم نزعة فطرية وسُنَّة عقلائية سائدة في كافّة أنحاء العالم وبين جميع الأُمم والشعوب العالمية ، والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا .. بل إن عصرنا هذا وجيلنا الحاضر هو أكثر تمسُّكاً وأشدّ محافظة على هذا التقليد من السابق ، فترى بعض الدول ـ التي ليس لها زعيم سابق معروف وبطل عالمي شهير تمجّد فيه البطولة والفداء في سبيل الأمة ـ يعمدون إلى بناء نصب تذكاري يسمونه (الجندي المجهول) يرمزون به على التضحية الفذّة والفداء المثالي في سبيل الوطن ، ويمجّدون فيه البطولة والشهامة . وعليه فإن زيارة قبور الأبطال ومراقد العظماء وأضرحة الشهداء سيرة عقلائية وسُنَّة إنسانية لا تخصّ قوماً أو أُمة أو طائفة ، فلماذا يُلام الشيعة على زيارة مرقد الإمام الحسين (ع) في كربلاء ، وهو سيد الشهداء الأحرار ، وقدوة القادة الأبطال ، والمثل الأعلى لرجال الإصلاح والفداء في العالم ، الذي أنقذ أُمته من خطر المحو والزوال ، ودفع بها نحو الأمام والسير على الطريق المستقيم بعد أن كلّفه ذلك جميع ما ملك في هذه الحياة ؟! إن في زيارة قبر الإمام الحسين (ع) من المكاسب الروحية والفوائد الفكرية والأخلاقية ما ليس مثلها في زيارة أيّ مرقد أو ضريح آخر . ولو تأملنا في بعض مفردات زيارة الإمام الحسين (ع) في أربعينه الواردة عن الإمام الصادق (ع) نقف على كلمة (السلام عليكم يا آل الله) لنتساءل : كيف يكون الإنسان آلاً لله ؟ والله سبحانه ليس جسماً حتى يولِد وحتى ينجب ، وهو القائل في كتابه : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، فإذا لم يكن جسماً ينجب وينسل ، فما معنى كلمة (السلام عليكم يا آل الله) ؟ |