محمد عبد الجبار الشبوط من غير الصحيح أن يبدأ النقاش حول الدولة الحضارية (د.ح.ح) من زاوية صعوبات إقامتها. فذلك أمر معروف ومفهوم، ولا يحتاج إلى كبير جدل: إقامة دولة بهذا المستوى من التطور تتطلب وقتاً طويلاً، وجهداً متراكماً، وتفكيكاً لبنية سياسية واجتماعية متكلسة، ومنظومة قيم متجذرة في العشائرية والطائفية والانتماءات المكوناتية. إنّ تحويل هذه المعوّقات إلى نقطة الانطلاق في النقاش، هو ضرب من المصادرة على الفكرة قبل أن تُولد، وتغليب للهاجس السلبي على البحث الموضوعي. أولوية الفكرة على العوائق المدخل الصحيح يبدأ بالسؤال: هل فكرة الدولة الحضارية فكرة منطقية، معقولة، قابلة للفهم والإقناع؟ وهل ثمة حاجة إنسانية وواقعية إليها؟ فالتحولات التاريخية الكبرى لم تُبنَ على حساب الصعوبات، بل على أساس منطقية الفكرة وجدواها. الديمقراطية المبكرة في أثينا لم تكن بلا صعوبات، كما أن أوروبا الحديثة لم تنهض إلا عبر مسار طويل من الحروب الدينية والصراعات الاجتماعية. لكن قوة الفكرة، ورغبة الناس فيها، هي التي جعلت العقبات مجرد مراحل انتقالية، وليست حواجز نهائية. قوة الرغبة الجمعية الفكرة وحدها لا تكفي، فلا بد أن تُلاقي رغبة جمعية حقيقية، أو على الأقل رغبة واعية لدى نواة طليعية من المجتمع. هنا يُطرح السؤال الجوهري: • هل هناك استعداد للتحرر من أسر الولاءات الضيقة نحو ولاء أوسع هو الولاء للدولة الحضارية؟ • وهل يمكن أن يتشكل وعي جديد يرى في هذه الدولة ضمانةً للكرامة والعدل والمساواة، لا تهديداً للهوية الجزئية؟ من دون هذا الاستعداد النفسي والاجتماعي، تتحول الفكرة إلى مجرد شعار. جدوى المشروع للناس ينبغي أن يتركز النقاش على نفع الدولة الحضارية للناس: • هل ستحقق العدالة الاجتماعية، وتضمن الحقوق، وتكفل الأمن؟ • هل ستفتح أبواب الإبداع والعمل والعيش الكريم؟ • وهل ستعيد للإنسان كرامته المهدورة في ظل الاستبداد والتخلف؟ المعيار الحقيقي لأي مشروع حضاري هو ما يضيفه إلى حياة الإنسان، لا ما يعترض طريقه من صعوبات آنية. فالمردود هو الذي يخلق القناعة العامة، وهو الذي يبرر التضحيات. المقدمات والمتطلبات بعد تثبيت منطقية الفكرة وقوة الرغبة وجدوى المشروع، يأتي النقاش حول المقدمات العملية: • كيف يمكن تفكيك منظومة التخلف دون الدخول في صدام شامل، وإنما عبر إصلاح تدريجي وتحوّل ثقافي وتربوي؟ • ما الخطوات الممكنة على المدى القصير، والمتوسط، والبعيد؟ • وكيف يُعاد ترتيب عناصر المركب الحضاري (الإنسان، الأرض، الوقت، العلم، العمل) ضمن منظومة قيم (الحرية، العدل، المساواة، المسؤولية، الإتقان، التضامن) لتشكل القاعدة الصلبة لهذه الدولة؟ خاتمة إن النقاش الذي يبدأ من العقبات يفضي إلى انسداد، بينما النقاش الذي يبدأ من منطقية الفكرة، وجدواها، ورغبة الناس فيها يفتح الأفق أمام التغيير. وكما قال تعالى: “إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد: 11). فالتغيير الحضاري لا ينطلق من سرد الصعوبات، بل من الإيمان العميق بالفكرة، ومن العزم على تحويلها إلى واقع عبر العمل والصبر والتراكم التاريخي. |