بقلم ابراهيم المحجوب في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى الدولية، يبرز الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا بوصفه نموذجًا واضحًا لتشابك السياسة بالاقتصاد والنفوذ بالمصالح. فالصراع لم يعد محصورًا في إطار الخلاف الثنائي بين دولتين، بل أصبح جزءًا من مشهد دولي أوسع تعاد فيه صياغة التحالفات، وتُختبر فيه قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها. تسعى الولايات المتحدة، منذ عقود، إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي في أمريكا اللاتينية، معتبرة إياها مجالًا حيويًا لأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. وفي المقابل، تمثل فنزويلا حالة استثنائية بسبب سياساتها المناهضة للهيمنة الأمريكية، واعتمادها خطابًا سياديًا رافضًا للتدخل الخارجي، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات نفط هائلة تجعلها هدفًا دائمًا للمصالح الدولية. وفي تطور مفصلي شهدته الساحة مؤخرًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عملية أمريكية واسعة داخل فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما جواً خارج البلاد، قبل أن يُحتجزا في الولايات المتحدة لمواجهة عدة تهم جنائية. هذه التهم، بحسب لائحة الاتهام التي فكّكتها السلطات الأميركية، تشمل اتهامات تتعلق بالمخدرات (مثل مؤامرة تهريب الكوكايين) والإرهاب المرتبط بالمخدرات وجرائم أسلحة، بالإضافة إلى اتهامات بالفساد واستغلال السلطة. وقد أثارت هذه الخطوة، التي شملت عملية عسكرية غير مسبوقة في قلب العاصمة كاراكاس وأسفرت عن انفجارات واضطرابات أمنية قبل اعتقال مادورو، ردود فعل دولية متباينة. فبينما أشادت واشنطن بأنها تسعى لوضع حد لما تصفه بأنه نظام فاسد ومتورط في تهريب المخدرات وجرائم متشابكة بحق الولايات المتحدة والمنطقة، وصف البعض هذه الخطوة بأنها انتهاك للقانون الدولي وسيادة دولة مستقلة، مع مطالبة بعض الدول والمنظمات بإعادة الرئيس الفنزويلي إلى بلاده. وقد عيّنت المحكمة الدستورية العليا في فنزويلا نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لتولي منصب الرئيس مؤقتًا، وسط رفضها القاطع لإزالة مادورو، مما يعكس الانقسام داخل المؤسسة الفنزويلية نفسها. هذا التطور الاستثنائي وضع العلاقة بين واشنطن وكاراكاس في مرحلة أكثر توترًا وتعقيدًا من أي وقت مضى، وجعل من قضية فنزويلا محورًا جديدًا في الصراع على النفوذ الدولي، خصوصًا في ظل الانقسامات القانونية والسياسية التي أثارها اعتقال رئيس دولة ومواجهته للمحاكمة في محكمة أجنبية. العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي فرضتها واشنطن على فنزويلا طوال السنوات الماضية لم تكن مجرد أدوات ضغط سياسي، بل تحولت إلى عامل مؤثر في حياة الشعب الفنزويلي وأوضاعه الاجتماعية. وفي حين تُبرّر واشنطن هذه الإجراءات بشعارات الديمقراطية ومحاربة الفساد، يرى كثيرون أنها تعكس ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، وأنها تخدم مصالح استراتيجية واقتصادية أولاً وأخيراً. إن الصراع بين أمريكا وفنزويلا يعكس حقيقة أعمق، مفادها أن أدوات الضغط القديمة لم تعد تحقق النتائج ذاتها في زمن التحولات الدولية المعقدة. |