محمد السوداني مع انطلاق بطولة كأس آسيا للمنتخبات الأولمبية في المملكة العربية السعودية، تدخل كرة القدم العراقية اختبارًا حقيقيًا لا يتعلق فقط بالنتائج داخل المستطيل الأخضر، بل بمدى احترام المؤسسات الرياضية لمسؤولياتها الوطنية. فمشاركة المنتخب الأولمبي العراقي بتسعة عشر لاعبًا فقط لا يمكن توصيفها إلا على أنها مثلبة كبيرة بعمل الاتحاد العراقي لكرة القدم، والعديد من الأندية التي امتنعت عن تفريغ لاعبيها، في سابقة خطيرة تسيء لسمعة الكرة العراقية وتاريخها القاري والأولمبي. إن خوض بطولة قارية بهذا الحجم بعدد غير مكتمل من اللاعبين لا يُعد اجتهادًا فنيًا، ولا ظرفًا قهريًا، بل هو فشل إداري واضح تتحمل مسؤوليته منظومة كاملة، تبدأ من الاتحاد ولا تنتهي عند الأندية، مرورًا بالجهاز الفني الذي أخفق – أو أُجبر – على خوض المنافسة بأوراق ناقصة. وكان الأجدر بالاتحاد العراقي لكرة القدم أن يهيئ جميع مستلزمات المشاركة المشرفة، من ضمان تفريغ اللاعبين، إلى إدارة التنسيق مع الأندية، وصولًا إلى التخطيط المبكر، لا سيما أن نتائج هذه البطولة لا تخص جيلًا واحدًا فقط، بل تمس سمعة الكرة العراقية وتاريخ مشاركاتها الخارجية. وليس من المنطق ولا المقبول تبرير ما يحدث بحجة أن البطولة خارج أيام “فيفا دي”. فحين يكون الاستحقاق قاريًا ويمثل العراق، تصبح الأولوية وطنية قبل أن تكون محلية أو نادوية. أما الأندية التي امتنعت عن تفريغ لاعبيها، فقد وضعت مصالحها الضيقة فوق اسم العراق، وهو أمر يستدعي وقفة جادة ومحاسبة واضحة. ويزداد حجم الخيبة حين نستحضر أن العراق تُوِّج بلقب النسخة الأولى من البطولة في عمان عام 2014، وأن للكرة العراقية سجلًا مشرّفًا في المشاركات الأولمبية، بدءًا من أولمبياد موسكو، مرورًا بلوس أنجلوس، وسيؤول، وأثينا، وصولًا إلى باريس، مع إنجاز تاريخي لا يُنسى في أولمبياد أثينا بالحصول على المركز الرابع. فهل يُعقل أن يُختزل هذا الإرث الكبير بمشاركة “كيفما اتفق”؟ كما تثار علامات استفهام مشروعة حول عدم استدعاء اللاعبين المغتربين، سواء لأسباب فنية يراها المدرب، أو لأسباب إدارية تتعلق بالتنسيق والاتحاد، وهو ما يفتح باب التساؤل: من يتحمل مسؤولية الخيارات المحدودة؟ وهل كانت هناك إرادة حقيقية لتشكيل أفضل منتخب ممكن؟ إن تحميل المدرب وحده مسؤولية أي إخفاق قادم سيكون هروبًا غير أخلاقي من الحقيقة، فالفشل – إن وقع – هو فشل منظومة، لا أفراد. منظومة لم تحسن إدارة ملف الأولمبي، ولم تحسم صراع الصلاحيات مع الأندية، ولم تضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار. والسؤال الذي يطرح نفسه الان هو : هل نشارك في هذه البطولة لمجرد تسجيل حضور شكلي؟ أم أننا أمام فشل مُبطّن جرى التغاضي عنه مسبقًا تحت عنوان “المشاركة فقط”؟ الكرة العراقية أكبر من هذه الأعذار، وجماهيرها لا تطلب المستحيل، بل تطلب الاحترام، والتخطيط، وتحمل المسؤولية. وما دون ذلك… تضييع جديد لفرصة، وإساءة أخرى لتاريخٍ لم يُبنَ بالصدفة. |