كندي الزهيري ليست المسألة صاروخًا عابرًا للقارات، ولا رأسًا نوويًا يُخزَّن في صومعة خرسانية. المسألة أخطر من ذلك بكثير. الإمبراطوريات لا ترتجف من معدنٍ مُخصَّب بقدر ما ترتجف من عقلٍ مُحصَّن…في الأدبيات الإستراتيجية، السلاح مجرد “أصلٍ مادي” ضمن محفظة قدرات، يمكن قياسه، رصده، احتواؤه، أو حتى تدميره، لكن ماذا لو لم يكن الأصل هو المشكلة؟ ، ماذا لو كانت المشكلة هي منظومة إنتاج القوة ذاتها؟. الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، بنى هيمنته على ثلاث ركائز: تفوق تكنولوجي، سيطرة مالية، واحتكار تعريف الشرعية الدولية. هذه ليست شعارات؛ إنها بنية تحتية عالمية تُدار كمنظومة أعمال عابرة للحدود… الدولار ليس عملة فحسب، بل منصة تسوية. حاملات الطائرات ليست سفنًا، بل رسائل تسعير للمخاطر. المؤسسات الدولية ليست منتديات، بل آليات ضبط إيقاع.لهذا، حين يُطرح إسم إيران في سياق الردع النووي، ينشغل الإعلام بالقنبلة. أما غرف القرار، فتنشغل بشيء آخر: ” هل نحن أمام كيان يتقن هندسة الإكتفاء الذاتي؟ هل تشكّل هناك نموذج قادر على العمل خارج دورة الإعتماد على الغرب؟” . القنبلة النووية، إن وُجدت، تدخل في معادلة توازن الرعب؛ يمكن احتواؤها باتفاقيات مثل خطة العمل الشاملة المشتركة، ويمكن إدارتها بأطر رقابية. لكن ماذا عن مجتمع يتعلم كيف يحوّل العقوبات إلى مختبر ابتكار؟ ، و ماذا عن دولة تعيد تعريف سلاسل التوريد، وتستبدل المنصات، وتخلق شبكات نفوذ غير تقليدية؟. اذًا الرعب الحقيقي يبدأ حين تتحول القوة من “منتج” إلى “ثقافة”. حين تصبح الجامعات معامل دفاع، حين يتحول الحصار إلى برنامج تسريع ، و حين يُعاد تصميم الإقتصاد ليعمل تحت الضغط، لا رغم الضغط. الإمبراطوريات لا تخشى السلاح بقدر ما تخشى تآكل احتكارها للسردية. لأنها تدرك أن الهيمنة ليست في الصواريخ، بل في القدرة على تحديد من يملك الحق في امتلاك الصواريخ. ليست في التقنية، بل في من يملك حق تطويرها. ليست في العقوبات، بل في من يملك سلطة فرضها دون مساءلة. تخيّل عالمًا يتكاثر فيه نموذج الاستقلال. عالمًا لا تُحسم فيه المعادلات في (واشنطن أو بروكسل) وحدهما، عالمًا تنشأ فيه مراكز قرار متوازية، لا تدور في فلك المركز القديم. ذلك هو [الكابوس]، ليس انفجارًا نوويًا، بل انفجارًا في قواعد اللعبة. في ميزان الأعمال الإستراتيجية، الغرب يدير النظام الدولي كشركة قابضة ضخمة. الأسواق المفتوحة فروع. التحالفات عقود امتياز. القواعد العسكرية نقاط توزيع. وكل من يحاول بناء نموذج موازٍ يُعامل كمنافس يهدد الحصة السوقية للنظام ذاته. لذلك، الخوف ليس من “قنبلة” بقدر ما هو من قابلية إنتاج القنابل، وإنتاج المعرفة، وإنتاج البديل. الخوف من أن تتحول منطقة كانت تُدار كملف أمني إلى مصنع سرديات جديدة. من أن يتحول الردع من احتكار إلى معادلة متعددة الأطراف. الرعب الحقيقي ليس في صوت الإنفجار، بل في صمت المختبرات. ليس في صورة صاروخ، بل في معادلة تُكتب على سبورة جامعية بعيدًا عن أعين المراقبة. وحين تدرك الإمبراطوريات أن ما تواجهه ليس سلاحًا، بل عقلًا يتعلم بسرعة…تعرف أن الإمبراطوريات. |