اكبر علي الشحماني مقدّمة: ليست كربلاء حادثةً تاريخيةً معزولة في زمنٍ مضى، بل هي بنيةٌ رمزيةٌ حيّة، تتجدد في كل مرحلة يشتدّ فيها الصراع بين العدل والظلم. لقد شكّلت واقعة كربلاء سنة 61 هـ نقطة تحوّل مفصلية في التاريخ الإسلامي، حين وقف الحسين بن علي بوجه سلطة يزيد بن معاوية، رافضًا شرعنة الانحراف السياسي باسم الدين. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كربلاء مدرسةً مفتوحة للمقاومة، يتوارثها الأحرار جيلًا بعد جيل. أولًا: كربلاء كحدث مؤسِّس للوعي المقاوم لم تكن نهضة الإمام الحسين طلبًا للسلطة أو خروجًا سياسيًا تقليديًا، بل كانت موقفًا مبدئيًا ضد تحوّل الخلافة إلى ملكٍ عضوض. لقد أعاد الحسين تعريف مفهوم “الشرعية” من شرعية القوة إلى شرعية القيم. فالمقاومة في كربلاء لم تكن عسكريةً فحسب، بل أخلاقيةً وروحية، تؤسس لفكرة أن الحق يُقاس بالمبدأ لا بالنتيجة. بهذا المعنى، تحوّلت عاشوراء إلى معيارٍ دائم: هل يكون الإنسان مع السلطة حين تنحرف؟ أم مع الحقيقة ولو أدّى ذلك إلى التضحية؟ إن هذا السؤال هو جوهر كل حركة مقاومة حقيقية في التاريخ. ثانيًا: من كربلاء إلى الوجدان الشيعي تراكمت عبر القرون طقوس الزيارة والمجالس الحسينية، لتتحول كربلاء إلى مركز تعبئة وجدانية وثقافية. لم تكن المجالس مجرد بكاء، بل إعادة إنتاج للسردية المقاومة، حيث يتم استحضار مفاهيم التضحية، الفداء، والثبات. وقد انعكس ذلك في حركات سياسية واجتماعية عديدة، أبرزها الثورة الإسلامية في إيران بقيادة روح الله الخميني، التي استلهمت شعار “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء” بوصفه خطابًا تعبويًا في مواجهة النظام الملكي آنذاك. ثالثًا: كربلاء والمقاومة المعاصرة في السياق العربي المعاصر، أصبحت كربلاء مرجعية رمزية لمحور المقاومة الممتد من إيران إلى العراق ولبنان وفلسطين. ويظهر هذا البعد بوضوح في خطاب حسن نصر الله، الذي يربط بين نهج الإمام الحسين ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن كربلاء تمثل النموذج الأعلى في رفض الخضوع. كما برزت رمزية عاشوراء في المواجهات مع تنظيم داعش في العراق، حيث استُخدم الخطاب الحسيني لتعبئة المقاتلين ضمن فصائل المقاومة، باعتبار المعركة امتدادًا لصراع الحق والباطل. رابعًا: البعد الفلسفي للمقاومة في كربلاء تطرح كربلاء مفهومًا عميقًا للمقاومة يتجاوز السياسة إلى الأنطولوجيا الأخلاقية: المقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا، بل هوية وجودية. الشهادة ليست خسارة، بل إعادة تعريف للنصر. ففي كربلاء انتصر الدم على السيف رمزيًا، لأن السلطة الأموية سقطت أخلاقيًا رغم انتصارها العسكري المؤقت. وهنا يتأسس مفهوم “النصر المعنوي” الذي أصبح ركيزة في أدبيات الحركات الثورية. خامسًا: بين التاريخ والأسطرة ورغم الأثر التعبوي لكربلاء، ينبغي التفريق بين القراءة التاريخية والقراءة الأسطورية. فالتضخيم غير النقدي قد يحوّل الحدث إلى خطاب عاطفي محض، بينما القراءة الواعية تجعله مصدر إلهام عقلاني وأخلاقي في آنٍ معًا. إن قوة كربلاء تكمن في عالميتها: فهي ليست حكرًا على مذهبٍ بعينه، بل رسالة إنسانية عن الكرامة والحرية ورفض الطغيان. خاتمة: كربلاء ليست ذكرى تُستعاد في موسم، بل مشروع وعي دائم. هي مقاومةٌ تبدأ من إصلاح النفس وتمتد إلى مواجهة الاستبداد في كل زمان. وما دامت هناك سلطةٌ تنحرف عن العدالة، فستبقى كربلاء حاضرةً في الضمير الجمعي، تذكّر الأجيال بأن الدم قد يُهزم عسكريًا، لكنه ينتصر أخلاقيًا وتاريخيًا. |