محمد عبد الجبار الشبوط يثير قرار مجلس الوزراء الأخير المتعلق بتخفيض رواتب العاملين في شبكة الإعلام العراقي وربطها بسلم رواتب موظفي الدولة (انظر الصورة المرفقة) سؤالاً جوهرياً لا يتعلق بالمال فقط، بل يتعلق بطبيعة شبكة الإعلام العراقي نفسها: هل هي مؤسسة إعلام عام مستقلة أم مجرد دائرة حكومية مثل بقية دوائر الدولة؟ الجواب واضح في القانون وفي فلسفة إنشاء الشبكة منذ البداية: شبكة الإعلام العراقي ليست دائرة حكومية، بل مؤسسة إعلامية عامة مستقلة أنشأها القانون لتكون صوت المجتمع العراقي كله، لا صوت الحكومة. ولهذا نص قانون شبكة الإعلام العراقي رقم (26) لسنة 2015 صراحة على أن الشبكة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري. وهذا النص ليس تفصيلاً شكلياً في القانون، بل هو جوهر فكرة الإعلام العام في العالم كله. ففي الدول الديمقراطية لا تُدار مؤسسات الإعلام العام كدوائر حكومية، لأن الإعلام إذا خضع لمنطق الإدارة الحكومية يفقد استقلاله ويتحول تدريجياً إلى إعلام رسمي أو حكومي. ولهذا السبب تمتلك مؤسسات الإعلام العام الكبرى في العالم أنظمة إدارية ومالية خاصة بها، ومن أشهرها هيئة الإذاعة البريطانية BBC التي تُعد النموذج الأشهر عالمياً في الإعلام العام المستقل. وعندما أُنشئت شبكة الإعلام العراقي بعد عام 2003 كان الهدف أن تسير في الاتجاه نفسه، أي أن تكون مؤسسة إعلام عام مستقلة، لا وزارة إعلام مقنعة ولا دائرة حكومية بيروقراطية. ولهذا السبب تم اعتماد نظام خاص للموارد البشرية وسلّم رواتب مستقل بالكامل عن قانون رواتب موظفي الدولة، لأن العمل الإعلامي بطبيعته المهنية والإبداعية لا يمكن إدارته بعقلية الدرجات الوظيفية التقليدية في الخدمة المدنية. إن الصحفي والمراسل والمخرج والمنتج والمقدم ليسوا موظفين حكوميين بالمعنى الإداري التقليدي، بل مهنيون يعملون في حقل إبداعي يحتاج إلى مرونة في التعاقد واستقطاب الكفاءات. وهذا ما تدركه كل مؤسسات الإعلام العام في العالم. ولهذا فإن ربط شبكة الإعلام العراقي بسلم رواتب موظفي الدولة لا يعني مجرد تخفيض رواتب أو إعادة تنظيم مالي، بل يعني عملياً تحويل الشبكة من مؤسسة إعلام عام إلى دائرة حكومية. ومن هنا تأتي الخطورة الحقيقية في قرار مجلس الوزراء الأخير. فالقرار لا يتجاوز فقط فلسفة الإعلام العام التي قامت عليها الشبكة، بل يثير أيضاً إشكالاً قانونياً واضحاً. فالقانون الذي أنشأ شبكة الإعلام العراقي منحها استقلالاً مالياً وإدارياً، كما أتاح لها نظاماً خاصاً للموارد البشرية يتلاءم مع طبيعة العمل الإعلامي. ولا يجوز لقرار تنفيذي صادر عن مجلس الوزراء أن يلغـي هذا النظام أو يغيّره جذرياً، لأن القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن القرار التنفيذي لا يمكن أن يعدل قانوناً نافذاً أو يتجاوز الصلاحيات التي منحها القانون لمؤسسة مستقلة. وبناءً على ذلك فإن محاولة فرض سلم رواتب موظفي الدولة على شبكة الإعلام العراقي لا يمكن أن تتم بقرار حكومي، بل تحتاج ـ إن أريد لها أن تتم ـ إلى تعديل قانون الشبكة نفسه في مجلس النواب. أما أن يتم ذلك بقرار تنفيذي فهذا يمثل تجاوزاً واضحاً على القانون وعلى مبدأ استقلال المؤسسات الإعلامية العامة. لكن القضية في جوهرها ليست قانونية فقط. القضية تتعلق بمستقبل الإعلام العام في العراق. فإما أن تبقى شبكة الإعلام العراقي مؤسسة إعلام عام مستقلة تعمل وفق فلسفة الإعلام الحر الذي يخاطب المجتمع كله، وإما أن تتحول تدريجياً إلى جهاز إعلام حكومي يخضع لمنطق الإدارة البيروقراطية. لقد عانى العراق طويلاً من تجربة الإعلام الحكومي الذي كان مجرد أداة في يد السلطة. وكان من المفترض أن تكون شبكة الإعلام العراقي خطوة للخروج من تلك التجربة وبناء إعلام عام مهني يخدم المجتمع والدولة معاً دون أن يكون تابعاً للحكومة. وإذا كان هناك خلل مالي أو إداري في الشبكة ـ وهو أمر يمكن أن يحدث في أي مؤسسة ـ فإن معالجة هذا الخلل يجب أن تتم في إطار القانون وبما يحافظ على استقلال المؤسسة، لا عبر قرارات متسرعة تهدم الفلسفة التي قامت عليها. إن تحويل شبكة الإعلام العراقي إلى دائرة حكومية لن يوفر المال بقدر ما سيكلف العراق خسارة أهم مؤسسة إعلام عام يمتلكها. والإعلام العام المستقل ليس ترفاً، بل هو أحد شروط بناء الدولة الحديثة التي تحترم المجتمع وتثق بقدرة مؤسساتها على العمل بعيداً عن الهيمنة الحكومية المباشرة. ولهذا فإن القرار الأخير لمجلس الوزراء لا يثير فقط جدلاً إدارياً، بل يطرح سؤالاً سياسياً وثقافياً كبيراً: هل يريد العراق إعلاماً عاماً مستقلاً يخدم المجتمع، أم إعلاماً حكومياً يعود بنا إلى ما قبل فكرة الإعلام الحر؟ والجواب على هذا السؤال سيحدد ليس فقط مستقبل شبكة الإعلام العراقي، بل مستقبل فكرة الإعلام العام في العراق كله. |