امجد عبد الكريم في السياسة، لا تبدأ المعركة عند أول تصريح علني، بل داخل الغرف المغلقة حيث تُصاغ الكلمات قبل أن تُطلق على الجمهور. هناك، لا يجري اختيار المفردات بوصفها أوصافًا محايدة، بل كـ(ذخيرة دلالية) تُستخدم لتشكيل الوعي وتوجيه الانطباع. وهذا ما يقترب منه استاذي د. رجاء أحمد آل بهيش في حديثه عن سيميائية إطلاق التسميات بوصفها أداة دعائية مقصودة، تُبنى ضمن نسق مدروس لاختزال الواقع وتوجيهه. في هذه الغرف اجتماعات حزبية، ورش إعلامية مخابراتية، دوائر استشارية تُختبر الكلمات كما تُختبر الشعارات. يُسأل: ما اللفظة التي تختصر الخصم في صورة ذهنية سريعة؟ ما المصطلح الذي يمنحنا شرعية أخلاقية دون نقاش طويل؟ هنا تظهر تقنية إطلاق التسميات التي لا تكتفي بالوصف، بل تصنع قالبًا جاهزًزا يتلقاه الجمهور بلا جهد تحليلي. خذ مثال كلمة (ذيل) التي راجت في الخطاب السياسي العراقي خلال السنوات الأخيرة. الكلمة، في ظاهرها بسيطة، لكنها محمّلة بإيحاء قوي: التبعية، انعدام الاستقلال، والارتهان للخارج. حين تُطلق داخل الغرف أولًا، فهي لا تُستخدم اعتباطًا؛ بل تُختار لأنها تختصر اتهامًا معقدًا (الارتباط الخارجي، فقدان القرار الوطني) في لفظة واحدة سهلة التداول. وما إن تنتقل إلى الإعلام والشارع، حتى تتحول إلى «عدسة» يرى من خلالها الجمهور الخصم، بغض النظر عن تفاصيل الواقع. الأمر ذاته ينطبق على تسميات أخرى تتبدّل حسب المرحلة والسياق: «عملاء»: تختصر نقاشًا طويلًا حول العلاقات الدولية في حكم أخلاقي حاسم. ( فصائل مقاومة مقابل (مليشيات) تسمية واحدة تغيّر موقع الفاعل من ( وطني) مقاوم) إلى ( الى غير شرعي) (إصلاحيون) مقابل (فاسدون) ثنائية تبسيطية تمنح أحد الأطراف هالة أخلاقية مسبقة، وتجرّد الآخر منها. ولعلّ أستاذي الكبير د. رجاء آل بهيش قد بيّن بوضوح كيف يجري الاشتغال الفاعل الدعائي على اطلاق التسميات، انطلاقًا من أن اللغة ليست كيانًا محايدًا، بل أداة توجيه وتأثير. فهي تعمل ضمن ثلاث آليات مترابطة ١- الاختزال: تحويل ظواهر معقدة إلى كلمة واحدة. بدل نقاش السياسات والوقائع، تُقدَّم «لافتة» جاهزة. ٢-الشحنة الانفعالية: الكلمة تُستدعى محمّلة بتاريخ من الإيحاءات (الخيانة، الوطنية، الفساد)، فتُحدث أثرًا سريعًا يتجاوز البرهان. ٣-إعادة إنتاج المعنى: بتكرار التسمية عبر القنوات الإعلامية، تتحول من رأي إلى «حقيقة متداولة»، ويصير من الصعب فكّ الارتباط بينها وبين المُسمّى. المشكلة لا تقف عند حدود الخصومة السياسية. حين تنتشر هذه القوالب في المجتمع، فإنها تُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها. كلمة مثل «ذيل» لا تُسقط فقط على كيان سياسي، بل قد تُستخدم بين الأفراد، فتوسّع دائرة الاتهام وتغذّي الشك، وتُضعف إمكان الحوار. وهنا يتحول الخطاب من منافسة برامج إلى صراع هويات مُختزلة. في المقابل، لا يعني ذلك أن كل تسمية باطلة أو أن اللغة يجب أن تكون محايدة بالكامل—فاللغة بطبيعتها تقويمية. لكن الفارق الجوهري هو بين تسمية تشرح وتُضيء، وأخرى تختزل وتُضلّل. الأولى تفتح باب النقاش، والثانية تُغلقه مسبقًا. لذا يجب الحد من ظاهرة إطلاق التسميات عبر مقاربة متكاملة تبدأ بتفكيك المصطلحات ورفض التعامل معها كحقائق جاهزة، مع السعي لإنتاج بدائل أكثر دقة وحياداً تكسر احتكار المعنى. ويبرز هنا دور الإعلام في الابتعاد عن اللغة التحريضية واعتماد وصفٍ تفسيري يضع الوقائع في سياقها بدل اختزالها بكلمة مشحونة، بالتوازي مع تفعيل أطر قانونية تردع خطاب الكراهية والتشهير وتحاسب الاستخدام المتعمد للتضليل. كما يساهم الوعي المجتمعي ودور النخب في كسر ثقافة الوصم وبناء خطاب أكثر توازناً، خاصة في الفضاء الرقمي الذي يتطلب رقابة واعية وجهوداً مستمرة لكشف أساليب التلاعب اللغوي والحد من تأثيرها. |