كوثر العزاوي ذكرى التاسع من نيسان، محطةُ تضحية جامعة بين الألم والعزة، سجلها التاريخ على صفحة الشموخ، بمداد الدم الذي أريق فداءً للحق ورفضًا للباطل في بلد المقدسات. وفي تلك حقبة -الثمانينيات- ، مثّل السيد الشهيد “محمد باقر الصدر” مشروعًا فكريًا قائمًا على الوعي الديني والعدالة، فيما كانت أخته شريكةً في هذا الدور من خلال نشاطها الثقافي والتربوي وهي على ذات النهج، خصوصًا في أوساط النساء. لذا جاء قرار إعدام السيد الشهيد الصدر واخته العلوية بنت الهدى، بوصفه قرارًا سياسيًا مجحفًا، يهدف إلى كسر هذا الامتداد، وخشية تأثيره في الأوساط الاجتماعية. وحين ذاك، شهد العراق خلال حكم الطاغية صدام، سنوات طويلة من القهر والاضطهاد والحروب والصراعات، بدءً من الحرب مع إيران، مرورًا بغزو الكويت، ثم الحصار، وصولًا إلى مختلف الانتهاكات التي طالت شرائح واسعة من العراقيين، قبل وبعد اعدام السيد الصدر واخته وثلة كبيرة من الشباب رجالًا ونساء، ولا سيما أبناء الجنوب والوسط، فضلًا عن مواصلة حملات الإعدام والسجون والملف الأسود للمقابر الجماعية في التسعينيات. ولا تزال ذكرى هذا الملف الخطير الذي لم تنطوي صفحاته بعد، تمثل جرحًا مفتوحًا لم يندمل لدى كثير من العائلات العراقية، التي عاشت سنوات الخوف والحرمان، وفقدان أبنائها واندثار مصيرهم، كما بقي ظلم وظلام حقبة البعث السفاح حاضرة بقوة في ذاكرة العراقيين، بما تحمله من آلام وتضحيات وقمعٍ للإنسانية والحريات . وقد شاءت الأقدار أن تقضي بانتهاء حكم الطاغية وعصابته المتوحشة بسقوطٍ مدوٍّ، وخروج الرأس العفن من حفرةٍ كالجرذ النتن، ليبقى هذا الحدث شاهدًا: على أنّ الجبابرة مهما علا سلطانهم واشتد جبروتهم وسطوتهم، لا بدّ من انهيارهم، ولن يتمكنوا من محو آثار جرائمهم، بل شاء الله تعالى، أن يجعل اسم سفاح العراق صدام، ومن تسبب في اعدام المرجع الكبير، مرتبطًا بمرحلة اتسمت بالقمع والعنف واستباحة الحرمات. وهكذا تجري السنن وترسَخُ الحقائق، بأنّ الدم الذي يسُفك في سبيل الحق، يتحوّل الى ذاكرة وعيٍ، وتأريخ شرف للاجيال، بينما مصير الظلمة وأعوانهم، هو نهايةٍ صفحة سوداء يسجّلها التاريخ كوصمة عارٍ في جبين أصحابها تلازمهم في الدنيا والآخرة. وتبقى عناوين التضحية كالشهداء، عناوين عزّ وأوسمة شرف، لا مجرّد صور وأسماءٍ، إنّما نبضات إباءٍ ورفعة، تخفق مع الزمن، في ضمير أمة لاتنحني إلّا لخالقها الكبير المتعال. |