امجد عبد الكريم لم يعد العقل السياسي في المجتمع العراقي يتحرك بالآلية ذاتها التي كانت سائدة في مراحل سابقة، حين كان الانفعال السريع والشعارات الحادة كفيلة بتشكيل المزاج العام وتوجيهه خلال فترة قصيرة. فالتجربة السياسية المتراكمة خلال السنوات الماضية، بما حملته من وعود كبيرة ونتائج متفاوتة، أسهمت في إعادة تشكيل طريقة تفاعل الجمهور مع الخطاب السياسي، باتجاه أكثر هدوءًا وأقل اندفاعًا، وهو ما انعكس بشكل واضح على طريقة قراءة المجتمع لشخصية رئيس الوزراء ومعايير اختياره وتقييمه. فلم تعد لحظة اختيار رئيس الوزراء تُفهم بوصفها نتيجة توازنات سياسية فقط، بل أصبحت تُقاس أيضًا بمدى قدرة الشخصية المرشحة على الاستجابة لتوقعات المواطن، وإمكانية تحويل الخطاب إلى أداء واقعي ملموس. بهذا المعنى، انتقل جزء من المزاج العام من التفاعل اللحظي مع “اسم المرشح” إلى التقييم البطيء لـ“نمط الشخصية” ومدى اتساقها مع التجربة السابقة للمجتمع مع السلطة التنفيذية. هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه تغيرًا في أسلوب التعبير فقط، بل هو انعكاس لتغير أعمق في بنية التلقي السياسي داخل المجتمع. فالمواطن الذي كان يتفاعل سريعًا مع الخطاب الانتخابي أو السياسي، بات اليوم أكثر ميلًا إلى المقارنة والمراجعة، وإدخال ما يسمعه ضمن إطار التجربة السابقة، بدل التعامل معه بوصفه حقيقة جاهزة. وخلال الدورات الانتخابية الأخيرة، لم يعد الزخم الدعائي وحده كافيًا لصناعة موجة تأييد واسعة كما في السابق. إذ بات الناخب أكثر حذرًا، وأصبح السؤال المتكرر يدور حول ما تحقق فعليًا على الأرض، وليس فقط حول طبيعة الوعود المطروحة. هذا التحول يعكس انتقالًا تدريجيًا من الاستجابة العاطفية إلى التقييم البطيء والمقارن. وفي الفضاء الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي، برز نمط جديد من التفاعل. فبدل الانتشار السريع للخطابات الحادة أو المواقف الانفعالية، بات المحتوى يخضع لعملية “غربلة اجتماعية” عبر التعليقات والنقاشات وإعادة التفسير. لم يعد كل ما يثير الانتباه يحظى بالقبول، بل ما يمكن تداوله وإعادة فهمه بهدوء داخل النقاشات اليومية. ومن الناحية السلوكية، يمكن ملاحظة تراجع تأثير الخطاب العالي النبرة لصالح الخطاب الأكثر اتزانًا. فالجمهور لم يعد يتأثر فقط بقوة الطرح أو حدته، بل بقدرته على الصمود أمام أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: ما الذي تحقق سابقًا؟ هل يتكرر النمط نفسه؟ وما مدى انسجام الخطاب مع التجربة الفعلية؟ في المقابل، لا يزال الضجيج حاضرًا في المشهد السياسي، لكنه لم يعد يمتلك التأثير ذاته الذي كان يحققه في السابق. فهو يظهر بوضوح في لحظات التوتر أو الأزمات، لكنه غالبًا ما يفقد زخمه سريعًا أمام حالة من التقييم الهادئ والمتأني التي باتت تتشكل تدريجيًا داخل المجتمع. كما أسهمت كثافة المعلومات وتعدد مصادرها في تعزيز هذا الاتجاه، إذ لم يعد المتلقي يعتمد على مصدر واحد في تكوين موقفه، بل بات يقارن بين روايات متعددة، ويعيد تركيب الصورة السياسية وفق ما يتراكم لديه من تجارب وملاحظات، لا وفق لحظة واحدة أو خطاب منفرد. هذا التحول لا يعني اختفاء الانفعال من الحياة السياسية، لكنه يعني إعادة تحديد موقعه. فالانفعال أصبح لحظيًا ومحدود الأثر، في حين تتقدم أنماط التفكير الهادئ بوصفها آلية أكثر حضورًا في بناء الموقف العام. وبذلك، يتجه المزاج السياسي نحو حالة من “العقلنة البطيئة”، حيث يُعاد تقييم الخطابات والأحداث بعيدًا عن ردود الفعل السريعة. في المحصلة، يمكن القول إن المجتمع العراقي يشهد انتقالًا تدريجيًا من “سياسة اللحظة” إلى “سياسة التقييم”، حيث لم يعد التأثير مرتبطًا فقط بقدرة الخطاب على إثارة الانتباه، بل بقدرته على الاستمرار داخل الوعي العام وإنتاج معنى قابل للبقاء والمراجعة. وهو تحول، رغم هدوئه، يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسياسة على نحو أعمق مما يبدو في الظاهر. |