قاسم الغراوي حيث تُكتب المعركة بالأنفاس لا بالبيانات نخب الاعداء تتساقط في بنت جبيل ليست كل الحروب تُرى من بعيد.. فهناك جبهات لا تُقاس بالكيلومترات بل تُقاس بقرب الأنفاس من أنفاس وبفاصلٍ دقيقٍ بين الحياة والموت يُسمّى: المسافة صفر. هنا لا وجود لترف التحليل ولا لبلاغة المؤتمرات الصحفية ، فالعددٌ القليل من الرجال بما تيسّر في جُعبهم من عتادٍ وإيمان، يقفون في مواجهة جيوشٍ تُثقلها الأرقام وتُزيّنها التكنولوجيا. لكن الأرقام، في هذه البقعة تفقد معناها لأن ما يُحسم ليس الكثرة بل الإرادة. المعركة في هذا المستوى ليست اشتباكاً عسكرياً فحسب بل اختبارٌ للثبات النفسي قبل أن تكون مواجهة نارية. أن تسمع أنفاس خصمك وأن ترى عينيه أن تدرك أن قرارك في هذه اللحظة هو الفاصل الوحيد بين البقاء والانهيار ذلك هو جوهر “الاشتباك صفر”. فوقهم تمطر السماء بصواريخ دفاعية وتدور المحلّقات باحثةً عن ثغرة ومحاولةً تفكيك الصفوف وزرع الفوضى وبث الرعب. لكن الرعب هنا لا يعمل كما خُطط له لأن من يقف على أرضه لا يقاتل فقط بسلاحه، بل بتاريخٍ كاملٍ يسنده وبمعنىً أعمق من مجرد النجاة. الذين يدخلون هذه الأرض يدخلونها مكشوفين ، لا عمق جغرافي يحميهم ولا مسافة زمنية تسمح بإعادة ترتيب الصفوف فكل خطوة إلى الأمام هي اقتراب من مأزقٍ لا يمكن التراجع منه بسهولة. في “المسافة صفر” تتكسر نظريات الحرب التقليدية حيث لا تفوق عددي يُنقذ ولا تفوق تقني يضمن الحسم ، فكم من قوةٍ كبرى تعثرت حين وجدت نفسها في مواجهة خصمٍ لا يقاتل وفق الحسابات بل وفق القناعة. وهنا تتحول المعركة إلى مشهدٍ يتجاوز الميدان .. مشهدٍ بطولي مشحون بالرمزية يذكّرنا بأن بعض المواجهات لا تُخاض فقط لحسم موقع بل لإثبات معنى ،معنى الصمود ومعنى الأرض ومعنى أن يكون الإنسان في لحظةٍ ما .. كل ما يملك. إنها معركة لا تُكتب بياناتها في غرف العمليات بل تُنقش تفاصيلها في الذاكرة الحية لمن عاشها ، فكل مشهدٍ فيها يبدو كأنه النهاية لكنه في الحقيقة بداية لصياغة رواية أخرى، عنوانها ‘أن الإرادة، حين تبلغ ذروتها تُعيد تعريف موازين القوة’. “يا ربَّ ميادين الحدود البطولية.. آمِن رجالها وثبّت خطاهم”. |