د. إسماعيل النجار في العلاقات الدولية، كثيرًا ما تُستخدم لغة غير مباشرة لتفادي التصعيد. ذكر اسم رئيس دولة كبرى بشكل صريح قد يخلق توتراً دبلوماسياً مباشراً مع واشنطن ويضعف قنوات التواصل المستقبلية، ويُحرج حلفاء آخرين ما زالوا يتعاملون مع الإدارة الأمريكية!. لذلك يتم انتقاد “السياسات” بدل “الشخص”. والحفاظ على التحالفات داخل الغرب، حتى داخل المعسكر الغربي، هناك انقسام حول ترامب. بعض الدول أو الأطراف تعتمد أمنياً على الولايات المتحدة (الناتو مثلًا) أو لديها مصالح اقتصادية كبيرة معها فالهجوم المباشر على ترامب قد يُفسَّر كتصعيد ضد الولايات المتحدة ككل، وليس ضد تيار سياسي داخلها. أيضاً التركيز على “الإطار” بدل “الخصم” في علم الاتصال السياسي، ويُفضَّل أحياناً نقد “النزعة الأحادية” أو “تقويض النظام متعدد الأطراف” بدل شخصنة الصراع. هذا يجعل الخطاب أكثر قبولا دولياً وأقل حدة وأقرب لبناء تحالف واسع (لأنك تهاجم فكرة، لا فرداً) أيضاً تجنّب إعطاء ترامب قيمة رمزية أكبر، وهناك نظرية إعلامية تُعرف بـ“عدم تضخيم الخصم” ما يعني أن ذكر اسم ترامب مباشرة قد يمنحه حضوراً أكبر، ويحوّل الحدث إلى مواجهة معه بدل أن يكون منصة للتقدميين، لذلك يتم “تجاهله لفظيًا” مع استهدافه مضموناً. *الاعتبارات الداخلية الأمريكية في وجود شخصيات أمريكية (مثل سيناتور أو حاكم) يفرض حساسية انتقاد رئيس أمريكي بالاسم في محفل دولي قد يُستخدم ضدهم داخلياً وقد يُتهمون بأنهم “يهاجمون بلدهم من الخارج” لذلك هم يلتزمون بصياغات عامة. *في القانون الدولي واللغة الرسمية الخطاب الرسمي في المنتديات الدولية يميل إلى استخدام مفاهيم عامة (القانون الدولي، التعددية، استخدام القوة) بدل الاتهامات الشخصية المباشرة، وهذا جزء من “بروتوكول الخطاب الدولي”. *إن عدم ذكر اسم ترامب ليس مجرد “خوف” أو “تحفّظ” بسيط، بل هو مزيج من حسابات دبلوماسية إدارة تحالفات معقّدة، وتعتبر واحدة من تقنيات اتصال سياسي مدروسة واعتبارات داخلية للدول المشاركة، بمعنى أدق هم ينتقدون ترامب فعلياً، لكن بطريقة تُبقي الباب مفتوحاً للسياسة، لا للمواجهة المباشرة. **هناك سوابق كثيرة في العلاقات الدولية حيث تُنتقد سياسات قادة كبار بشكل غير مباشر دون ذكر أسمائهم. هذا أسلوب راسخ، وليس استثناء. إليك أمثلة واضحة من التاريخ الحديث مع تفسيرها، 1) أوروبا وإدارة جورج بوش الابن (2003 – حرب العراق) خلال التحضير لغزو العراق، عارضت فرنسا وألمانيا بشدة السياسة الأمريكية. لكن خطابات قادتها (مثل جاك شيراك وغيرهم) ركّزت على “رفض الحرب الوقائية” “ضرورة احترام الشرعية الدولية” دون مهاجمة بوش بالاسم في معظم المحافل الرسمية. *السبب الحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة داخل الناتو، رغم الخلاف الحاد. 2) حلفاء أمريكا وانتقاد دونالد ترامب (2017–2020) بعد انسحاب ترامب من اتفاق باريس للمناخ، قادة أوروبيون تحدثوا عن “الأسف لانسحاب بعض الشركاء”وأكدوا “التمسك بالاتفاق الدولي”دون ذكر اسمه مباشرة في كثير من المناسبات. والسبب تجنب تحويل الخلاف إلى صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية، خاصة أنها شريك أساسي لهم. 3) انتقاد روسيا في عهد فلاديمير بوتين (بعد 2014 – القرم) بعد ضم القرم، استخدمت دول أوروبية والولايات المتحدة خطاباً مثل. “انتهاك سيادة الدول” “وتغيير الحدود بالقوة”أحياناً دون ذكر بوتين شخصياً، بل التركيز على “روسيا” أو “الإجراءات الأخيرة”. *السبب أيضاً… إبقاء النقد في إطار قانوني (دولة vs دولة) بدل شخصنة الصراع. 4) دول عدم الانحياز وانتقاد الاتحاد السوفيتي (خلال الحرب الباردة) عند غزو أفغانستان 1979… نتقدت دول كثيرة “التدخل الخارجي” و”انتهاك سيادة الدول” دون تسمية القادة السوفييت في بعض البيانات الرسمية. *السبب توازن حساس بين عدم الانحياز وتجنب استفزاز قوة عظمى. 5) الصين وانتقاد السياسات الأمريكية الخطاب الصيني الرسمي كثيراً ما يستخدم عبارات مثل “بعض الدول تمارس الهيمنة” “عقلية الحرب الباردة” دون تسمية الرئيس الأمريكي مباشرة. *السبب أسلوب ثابت في الدبلوماسية الصينية لتفادي التصعيد المباشر. 6) قمة ميونيخ للأمن (عدة سنوات) في أكثر من دورة، انتقد قادة أوروبيون“الانعزالية” “وتقويض المؤسسات الدولية” وكان واضحًا أن المقصود هو سياسات إدارة أمريكية معينة، دون ذكر الاسم. *في الخلاصة برأيي كمراقب ومتابع هذا النمط يتكرر لأن الدول تتبع قاعدة غير مكتوبة، “هاجم السلوك، لا الشخص”وذلك لتحقيق 3 أهداف، خفض التصعيد عدم إحراج الطرف الآخر علناً،والحفاظ على المصالح خصوصاً مع القوى الكبرى، توسيع التحالف لأن انتقاد فكرة أسهل من مهاجمة زعيم، فإذا نظرت لما حدث في برشلونة، فهو ليس استثناءً بل امتداد مباشر لهذا التقليد لغة حادة في المضمون، لكن مغلّفة دبلوماسياً في الشكل. |