حسن الربيعي مع الشروع في مرحلة جديدة وفاعلة من مسار العملية السياسية في العراق، وفي ظل النظام الديمقراطي، تتقاطع المصالح وتتشابك الأولويات، بما يفرض حاجة ملحّة لإعادة ترتيبها وفق رؤية وطنية متوازنة. هنا لا نتحدث عن جدلٍ نظري، بل عن بوصلة تحدد اتجاه الدولة: هل تمضي نحو الاستقرار، أم تنزلق إلى دوامة التعارض؟ الدولة: هي الإطار الذي تنتظم داخله الحياة، والضامن الذي يحمي الجميع من الانزلاق نحو الفوضى. وعندما تضعف الدولة، لا يخسر طرفٌ واحد، بل يخسر الجميع دفعةً واحدة. غير أن حماية الدولة لا تعني تبرير الأخطاء أو تحصين السلطة، بل تعني صيانة القواعد التي تضمن بقاءها قويةً وعادلةً في آنٍ معًا. الشعب: يقف في قلب المعادلة السياسية بوصفه الغاية التي من أجلها وُجدت الدولة أصلًا. فكل قرارٍ لا ينعكس أثره على حياة الناس هو قرار ناقص، وكل سياسة لا تلامس كرامتهم تبقى بلا روح. ومن هنا يصبح المعيار الحقيقي للنجاح: كم اقتربت الدولة من الناس؟ وكم شعر الناس أنها منهم ولهم؟ الأحزاب: وُجدت لتنظّم الاختلاف، وتدير المصالح، وتؤطر العلاقة بين المتفقين والمختلفين. وهي في جوهرها وسيلة لإنتاج الحلول، لا لصناعة الأزمات. لكن الخلل يبدأ حين تتحول من منصات خدمة وطنية إلى مراكز نفوذ ومشاريع خاصة. عندها لا تعود المنافسة صحية، بل تتحول إلى صراع يستهلك الدولة ويُرهق المجتمع. إعادة ضبط البوصلة المشكلة ليست في وجود الدولة أو الشعب أو الأحزاب، بل في طريقة ترتيبها داخل الوعي السياسي. حين تتقدّم الأحزاب على الدولة، تتفكك المؤسسات. وحين تُفصل الدولة عن الشعب، تفقد معناها. أما حين توضع كل جهة في موقعها الطبيعي، تتكوّن معادلة قادرة على الاستمرار: دولة تُحمى، شعب يُخدم، وأحزاب تُنظَّم. التحدي الحقيقي: من الشعارات إلى السلوك الحديث عن المصلحة الوطنية سهل، لكن اختبارها الحقيقي يكون عند التعارض: هل تُقدَّم الدولة على الحسابات الضيقة؟ هل يُقدَّم المواطن على المكاسب المرحلية؟ هل تقبل الأحزاب أن تكون جزءًا من الحل لا أصل المشكلة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تُكتب في الخطابات، بل تُترجم في القرارات اليومية، وفي طريقة إدارة الخلاف، وفي القدرة على تقديم التنازل حين يكون الوطن هو الرابح. وعي المرحلة ما تحتاجه المرحلة ليس مزيدًا من التنظير، بل وعيًا جديدًا يعيد تعريف الأدوار بوضوح: أن تُفهم الدولة كمسؤولية، وأن يُرى الشعب كأمانة، وأن تُمارس السياسة كخدمة لا كصراع دائم. وعند هذه النقطة تحديدًا، لا تعود الأولويات متزاحمة، بل تصبح منسجمة، وتستقيم البوصلة السياسية حين يكون معيارها الأعلى هو المصلحة الوطنية التي تتقدّم على ما سواها. |