محمد عبد الجبار الشبوط يسألني بعض القرّاء ممن يتابعون مشروع الدولة الحضارية الحديثة (د.ح.ح): ما هي الأسس التي تميز هذا النموذج من الدولة عن النماذج السياسية والإدارية المتعارف عليها في العالم اليوم؟ وهو سؤال مشروع، يعبّر عن اهتمام صادق في فهم طبيعة هذا الطرح وموقعه من خارطة التطور السياسي للبشرية. وغالبًا ما أبدأ إجابتي بالقول إن المائز الجوهري، بل الجوهري الوحيد الذي تنبني عليه الدولة الحضارية الحديثة هو منظومة القيم العليا، فهي العمود الفقري لفلسفة الدولة ومؤسساتها، والأساس الذي ينعكس على كل مفاصلها: في التشريع، والخدمات، والسياسات، والمناهج، والاقتصاد، بل حتى في العلاقات الخارجية. هذه القيم ليست مستوردة من نموذج جاهز، ولا محض أفكار مثالية في فراغ، بل هي منظومة نابعة من القيم القرآنية التوحيدية من جهة، والتجربة الإنسانية التاريخية من جهة أخرى. وهي بذلك تجسّد تراكبًا خلاقًا بين الرؤية الإيمانية العميقة لكرامة الإنسان، وبين ما توصّل إليه البشر عبر قرون من البحث عن العدالة، والحرية، والمساواة، والكرامة، والتنمية. قد يجد القارئ تقاطعات بين مبادئ د.ح.ح والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، أو النظم الديمقراطية الحديثة، وهذا أمر طبيعي، بل متوقع. فمشروع الدولة الحضارية الحديثة لا ينطلق من فراغ، بل هو ثمرة لما وصلت إليه البشرية من تطور في فهم الدولة وغاياتها، مع إضاءة توحيدية عميقة تنقّي هذه التجربة من شوائب المادية والانفصال القيمي. لكن، ومع أهمية هذا التميّز النظري والفلسفي، أقول إن السؤال الأهم في نظري ليس: ما الذي يميز د.ح.ح عن غيرها من النماذج؟ بل السؤال الذي أطرحه على نفسي دومًا، وأدعو الجميع لطرحه، هو: ما نوع الحياة التي ستوفّرها الدولة الحضارية الحديثة للمواطن العراقي؟ هنا تكمن الإجابة الحقيقية. فما أطمح إليه من خلال هذا المشروع ليس إقامة نظام حكم مثالي على الورق، بل بناء دولة عادلة وفاعلة، دولة تحترم الإنسان العراقي، وتحتضن طاقاته، وتؤمن له بيئة منتجة، حرة، مبدعة، تضمن له العدالة والخدمات، وتفتح أمامه أبواب المشاركة والارتقاء. الدولة الحضارية الحديثة ليست مشروعًا نخبويا معزولا عن الواقع، ولا طوباوية لا تجد تطبيقًا، بل هي دعوة لإعادة تأسيس الدولة على أساس حضاري في الرؤية، وقيمي في المرجعية، ومؤسساتي في البناء، ومواطني في الغاية. ومن هنا، فإن ميزتها الكبرى ليست في اختلافها عن النماذج الأخرى، بل في قدرتها على أن تحوّل العراق إلى وطن يليق بإنسانه. وما أعنيه بذلك ليس مجرد تحسين الخدمات أو استقرار مؤسسات الدولة، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فالعراق الذي نحلم به في ظل الدولة الحضارية الحديثة هو وطن: • تُصان فيه كرامة الإنسان قبل كل شيء، • ويُحتفى فيه بالعقل والإبداع لا بالولاء الأعمى، • تُعاد فيه الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، • وتُفتح فيه آفاق التعليم والعمل والتعبير والمشاركة على أساس الجدارة لا المحسوبية، • ويُعامل فيه الإنسان بوصفه غاية التنمية لا وسيلتها، • وتُبنى فيه السياسات العامة وفق مصلحة الأجيال، لا حسابات اللحظة. وطنٌ يكون فيه الانتماء قيمة فاعلة، لا عبئًا أو لعنة. وطن لا يُقصي أحدًا، ولا يحتكر الحقيقة، ولا يختزل المواطن في طائفته أو قوميته أو ولائه السياسي. وطن يُعيد للإنسان العراقي ثقته بنفسه، ويمنحه ما يستحقه من حرية وكرامة وعدالة. هذا هو جوهر الدولة الحضارية الحديثة: أن تجعل من العراق فضاءً إنسانيًا منتجًا، حيًا، كريمًا، يليق بأهله ويعبّر عن إرادتهم في الحياة الكريمة والمشاركة العادلة.
|