كاظم الطائي الملخص تشهد العلاقات الدولية في العقدين الأخيرين تحولات جذرية تهدد استمرار النظام الأحادي القطبية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة. يبرز في هذا السياق تحالف متنامٍ بين روسيا والصين وإيران، يجمع بين القوة العسكرية، والنفوذ الاقتصادي، والموقع الجيوسياسي الفريد، بهدف إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية نحو تعددية الأقطاب. يهدف هذا البحث إلى تحليل مكونات هذا التحالف، دوافعه، وأثره المحتمل على ميزان القوى العالمي. المقدمة يمر النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، حيث يتقاطع التراجع النسبي للقوة الأمريكية مع صعود قوى شرقية تمتلك استراتيجيات بديلة لمواجهة النفوذ الغربي. تتصدر روسيا والصين وإيران هذا المسار، من خلال بناء شراكة استراتيجية عابرة للقارات، تتحدى بنية الاقتصاد العالمي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. إشكالية البحث: ما طبيعة التحالف بين إيران وروسيا والصين، وما أثره في تسريع الانتقال نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب؟ أهمية الموضوع: تكمن في فهم التحولات الجارية ضمن النظام الدولي، واستشراف مآلاتها على الأمن والاستقرار العالميين. أولاً: الصراع في أوكرانيا كبوابة لإعادة توزيع القوة العالمية 1. البعد الروسي: تعتبر أوكرانيا خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الروسي، ومسرح مواجهة مباشرة مع تمدد الناتو. هذه المعركة تتجاوز الحدود الجغرافية إلى هدف استراتيجي أوسع يتمثل في تعزيز النظام متعدد الأقطاب. 2. البعد الأمريكي: تنظر واشنطن إلى الحرب كفرصة لإضعاف روسيا وفصلها عن الصين، غير أن عمق الشراكة الروسية–الصينية يحول دون تحقيق هذا الهدف. ثانياً: الولايات المتحدة بين القلق الاستراتيجي وتآكل أدوات النفوذ ميل الكفة شرقاً: التراجع الاقتصادي والعسكري الأمريكي أمام صعود الصين وروسيا، مدعوماً بالموقف الإيراني الرافض للهيمنة. أدوات الضغط المتآكلة: العقوبات الاقتصادية، رغم كثافتها، فقدت كثيراً من فعاليتها مع نمو المبادلات التجارية بالعملات المحلية بين دول الشرق. ثالثاً: إيران – المحور الجيوسياسي للتحالف الشرقي الإرث الثوري: منذ عام 1979، تبنت إيران نهج المواجهة مع الغرب ورفضت الانضمام إلى منظومته. الخبرة الاستراتيجية: خبرة تراكمية في إدارة الصراعات المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. التكامل الروسي: إدراك موسكو لقيمة الرؤية الإيرانية، خصوصاً في ظل نصائح الإمام الخميني التاريخية بعدم الثقة بالغرب، يعزز التنسيق الحالي. الجسر الصيني: موقع إيران على مشروع الحزام والطريق يمنح بكين منفذاً للطاقة والأسواق الإقليمية، ويتيح لها تجاوز الممرات الخاضعة للهيمنة الأمريكية. رابعاً: الصين – القاطرة الاقتصادية والتكنولوجية للنظام الجديد بنية اقتصادية بديلة: عبر مبادرة الحزام والطريق، تبني الصين شبكة اقتصادية عابرة للقارات تقلل الاعتماد على الممرات الغربية. التفوق التكنولوجي: تقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، والصناعات الدفاعية، ما يجعلها منافساً مباشراً للغرب. الشراكة الثلاثية: تكامل الأدوار بين الصين (الاقتصاد)، روسيا (العسكر)، إيران (الجغرافيا السياسية). خامساً: مؤشرات التراجع الغربي اقتصادياً: التضخم وأزمات سلاسل الإمداد وضعف الإنتاجية الصناعية. سياسياً: الانقسامات الداخلية وتآكل الثقة بالقيادات. عسكرياً: عجز عن فرض السيطرة في مناطق النفوذ السابقة، وفشل في حسم النزاعات بسرعة. الخاتمة: يمثل التحالف بين إيران وروسيا والصين مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد لإعادة صياغة النظام الدولي على أسس متعددة الأقطاب. تتكامل عناصر القوة فيه بين الاقتصاد والتكنولوجيا، القوة العسكرية، والموقع الجيوسياسي. في المقابل، يواجه الغرب تحديات بنيوية تحد من قدرته على إيقاف هذا التحول. من المرجح أن يشهد العقد المقبل تكريساً عملياً لهذا النظام الجديد، ما سيؤثر جذرياً على قواعد الأمن العالمي وتوازنات القوة. المراجع : 1. Brzezinski, Z. The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives. Basic Books, 1997. 2. Mearsheimer, J. J. The Tragedy of Great Power Politics. W.W. Norton & Company, 2014. 3. دراسات المركز الروسي للدراسات الاستراتيجية، موسكو. 4. تقارير وزارة الخارجية الصينية حول مبادرة الحزام والطريق. |