قاسم الغراوي في أيام الأربعين، لا تشبه كربلاء أي مدينة على وجه الأرض. تتزيّن شوارعها بموائد العطاء، وتُعطِّر أزقتها أنفاس الملايين من عشّاق الحسين (ع)، وتتحوّل إلى جمهورية للقلوب، دستورها المحبة، وقانونها الإيثار، وحاكمها الحق الذي استشهد لأجله سبط النبي. التضحية… لغة الجميع في جمهورية الطف، يتحدث الجميع بلغة التضحية. ترى الشيخ الكبير يحمل أواني الطعام على كتفيه، والطفل الصغير يوزع الماء بيديه المرتجفتين، والمرأة تُعد الخبز وهي تبتسم رغم التعب. لا يسأل أحد عن اسمك أو وطنك، فهويتك الوحيدة هنا أنك “زائر الحسين”. موائد السماء على الأرض على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء، تمتد موائد تشبه أنهار الخير، لا تعرف بداية ولا نهاية. قِطع الخبز، أكواب الشاي، أطباق الأرز، قوارير الماء البارد… كلها تقدم بيدين ترتجفان شرفًا، قبل أن ترتجف تعبًا. هنا لا يوجد “زبون” و”بائع”، بل خادم وضيف، والجميع ضيوف عند سيد الشهداء. ذوبان الألوان واللغات في هذه الجمهورية، تسقط الحواجز التي تفصل البشر. اللغة لا تحتاج إلى ترجمان، فالإشارة والابتسامة تكفيان. ترى الإيراني بجانب الهندي، والأفريقي بجانب العربي، والأوروبي يسير بجانب العراقي، كأن الأرض نسيت حدودها، وكأن الألوان صارت لونًا واحدًا هو لون الوفاء. المسير نحو الحلم يسير الزائرون من كل حدب وصوب، يقطعون الصحارى والجبال، ويتحملون برد الليل وحر النهار، فقط ليصلوا إلى حيث يرقد الحسين (ع). إنهم لا يمشون على الأرض فقط، بل يمشون على جسر من الإيمان والولاء، وكل خطوة هي عهد جديد بأن الطف لا يموت. مدينة الحسين… درس للبشرية لو أرادت البشرية أن ترى مثالًا حيًا على الإيثار والتعاون ونكران الذات، فلتمشِ يومًا في كربلاء الأربعين. هناك ستجد العطاء بلا مقابل، والحب بلا شروط، والتضحية بلا انتظار شكر. إنها مدينة تُدار بالقلوب، لا بالعقود، وبالوفاء، لا بالمصالح. جمهورية الطف ليست حلمًا يراود الخيال، بل حقيقة تعيشها كربلاء في كل عام. إنها الرسالة التي كتبها الحسين (ع) بدمه، ويوقّع عليها الملايين بأقدامهم ودموعهم هنا، حيث تتحدث القلوب، وتذوب الأنا، يولد العالم من جديد على طريق الحق. |