م.د. نورالدين فيصل ابراهيم / جامعة سامراء يُعدّ التخطيط الجغرافي أحد الأعمدة الأساسية في بناء الدولة الحديثة، كونه الأداة العلمية التي تُنظّم العلاقة بين الإنسان والمكان والموارد. وفي الدولة العراقية، تبرز أهمية التخطيط الجغرافي بوصفه مدخلاً استراتيجياً لمعالجة التحديات التنموية والبيئية والسكانية، وإعادة توجيه مسارات التنمية نحو التوازن المكاني والاستدامة. لقد عانى العراق، عبر عقود طويلة، من اختلالات مكانية واضحة تمثلت في التركز السكاني والخدمي في مدن محددة، مقابل تهميش مناطق واسعة، فضلاً عن العشوائية في التوسع الحضري، وضعف الربط بين التخطيط القطاعي والتخطيط المكاني. وهنا تتجلى الحاجة الملحّة إلى تخطيط جغرافي وطني يستند إلى أسس علمية، ويعتمد البيانات المكانية الدقيقة في صنع القرار. إن التخطيط الجغرافي العراقي لا يقتصر على تنظيم استعمالات الأرض أو توزيع الأنشطة الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل إدارة الموارد المائية، والتكيف مع التغيرات المناخية، وتقليل مخاطر الكوارث الطبيعية، وتحقيق العدالة المكانية بين المحافظات والأقاليم. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتنوعه الطبيعي، يمتلك إمكانات كبيرة إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية تخطيطية شاملة. وتبرز اليوم أهمية دمج نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والاستشعار عن بعد في مؤسسات التخطيط العراقية، لما توفره من قدرة عالية على تحليل التباينات المكانية، ورصد التحولات العمرانية، وتقييم كفاءة البنى التحتية والخدمات العامة. كما يسهم هذا الدمج في الانتقال من التخطيط التقليدي إلى التخطيط الذكي القائم على السيناريوهات المستقبلية. كما أن نجاح التخطيط الجغرافي في الدولة العراقية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود تشريعات مكانية واضحة، وتنسيق فعّال بين الوزارات والهيئات المحلية، وبناء قدرات الكوادر المتخصصة في الجغرافية والتخطيط الإقليمي. فالتخطيط ليس وثيقة جامدة، بل عملية ديناميكية تتطلب تحديثاً مستمراً ومشاركة مجتمعية واعية. إن إعادة الاعتبار للتخطيط الجغرافي تمثل خطوة جوهرية في مسار بناء الدولة العراقية، لأنها تُحوّل الجغرافية من وصف للمكان إلى أداة لصناعة القرار. ومن هنا، فإن مستقبل التنمية في العراق مرهون بقدرتنا على قراءة المكان قراءة علمية، وتخطيطه بعدالة، وإدارته بحكمة لصالح الأجيال القادمة.
|