واسط/ رحيم زاير العتابي من أزقة مدينة الكوت التي تحتضن ضفاف دجلة في محافظة واسط، برزت قصة نجاحٍ استثنائية لم تكن وليدة المصادفة، بل نتاج صراع مرير مع الظروف وانتصار مؤزر للإرادة. بطلها المواطن الشاب سيف سعد بطاح، الذي طوق الشلل الرباعي جسده إثر حادث مؤلم، وبرغم ذلك رفض أن تكون جدران غرفته نهاية مشواره. قرر سيف الانخراط في أحد أصعب التخصصات العلمية وأكثرها تطلباً للجهد البدني، وهي «الصيدلة»، ليثبت من داخل أروقة جامعة واسط أن التخصصات العلمية لا تحتاج فقط للأطراف، بل للبصيرة والعقل المتقد. المواجهة مع الذات: المستحيل والممكن في حوارٍ تناولته صفحات فيسبوك واعتمدت الوكالة المقاطع التي نشرتها قناة 1tv ضمن برنامج من الواقع، قدمه الصحفي علي الخالدي، اتسم بالعمق الوجداني، حيث غاصت الأسئلة في المناطق المسكوت عنها من رحلة سيف. سأله الخالدي بصيغة تحمل هواجس المجتمع: «سيف، ما الذي تخاف منه؟» لم يلتفت سيف للصعوبات المادية أو نظرة الشفقة، بل أجاب بلغة الفلاسفة المؤمنين نصاً: «أخاف من شيئين؛ الأول تجريبياً وهو مستحيل، والثاني ممكن. المستحيل هو أن يتركني الله سبحانه وتعالى وحدي.. والثاني الممكن هو (العدو)، وهو أن أكون مرتدّاً كسولاً.» المختبر الذهني: «العقل لا يُشل» وحول التساؤلات عن كيفية اجتيازه للمختبرات العملية والوقوف المجهد، كشف سيف عن تقنية «الخيال الاستباقي» التي مكنته من نيل شهادته، قائلاً نصاً: «كنت أتخيل الأشياء قبل أن أفعلها، فالخيال هو الذي جعلني أستمر. كنت أجلس وأتخيل نفسي في المختبر، مرتدياً الصدرية البيضاء، وأتخيل حتى لحظة تخرجي هذه التي نعيشها الآن. الخيال بالنسبة لي ليس مجرد أحلام ضائعة، بل هو (بناء للواقع). لقد آمنت يقيناً بأن (العقل لا يُشل)؛ فالشلل في الحركة فقط، وإذا اشتغل العقل وتخيل الهدف، فإن الجسد والواقع سيتبعان عقلك حتماً. لقد درست الصيدلة بخيالي قبل أن ألمس الكتب.» صدى الكلمات في الوجدان العراقي تابعت منصات التواصل الاجتماعي نقل المقاطع، فبرزت الكلمات وتحولت إلى «وثيقة أمل» تداولها الكثيرون، وجاءت التعليقات لتؤكد حجم التأثير، منها: حيدر الوائلي: «سيف ليس مجرد صيدلاني، إنه فيلسوف إرادة؛ جملة (العقل لا يُشل) يجب أن تُدرّس في المناهج.» د. رنا (أكاديمية): «كلامه عن الخوف من الكسل أكبر صفعة لكل إنسان معافى يتكافأ عن أحلامه.» سارة أحمد: «أكثر ما أثر بي هو يقينه بأن الله لا يتركه، هذا الشاب أعاد لنا ترتيب علاقتنا بالخالق.» متابع من الكوت: «فخرنا يا سيف، رفعت رأس واسط عالياً بهذا الفكر قبل الشهادة.» أبعاد الرؤية: ما وراء الإنجاز الأكاديمي لم يستخدم سيف الدين الخيال كنوع من «أحلام اليقظة» للهروب، بل كأداة هندسية لبناء واقع لم يكن متاحاً لجسده. لقد أوجد لنفسه «مختبراً ذهنياً» كان يجري فيه تجاربه الكيميائية ويصرف فيه وصفات الأدوية في عقله قبل أن يلمسها بيده. إن فلسفته القائمة على أن «الكسل هو الارتداد» تجعل منه مرجعاً في التنمية البشرية الواقعية، محولاً إعاقته من «محنة جسدية» إلى «منحة فكرية» تدرس للأجيال. أيقونة الصمود وفجر اليقين يغادر سيف البطاح منصة التخرج بقلب يملؤه الشكر وعقل لا يعرف القيد، حاملاً معه أكثر من مجرد شهادة في الصيدلة؛ إنه يحمل رسالة مفادها أن الإنسان بالله وبخياله المبدع قادر على تطويع المستحيل. يخرج اليوم إلى الحياة المهنية ليصرف «جرعات اليقين» لكل من ضاقت به سبل الحياة، وليبقى درساً بليغاً في أن الجسد مهما بلغت قيوده، يظل تابعاً لإرادة حرة تعتقد يقيناً أن الله لا يترك عباده وحدهم، وأن العدو الحقيقي هو ذلك الكسل الذي يسكن النفوس لا الأطراف. المواطن الواسطي سيف سعد بطاح أثبت لنفسه وللناس من حوله، ولجميع من اطلع على وضعه، أنه متوكل على إرادة الله سبحانه وتعالى، مؤمناً بذلك إيماناً مطلقاً، وأنه لا وجود للاستسلام. فبعد تعرضه لحادث أدى إلى إصابته بـ»الشلل الرباعي»، صار مثالاً حياً للصبر العراقي، متدرجاً في دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة البكالوريوس من كلية الصيدلة في جامعة واسط، ليصبح اليوم أيقونة وطنية تُلهم الشباب العراقي والعربي، مبرهناً بسيرته ومواقفه أن العجز الحقيقي لا يطال النفوس المؤمنة والقلوب التي تدرك تماماً معنى التوكل والعمل. |