!جعفر العلوجي
لم يكن العدوان الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الايرانية مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو صراعا محدود الأهداف ، وانما هو في جوهره محاولة استراتيجية لاسقاط احدى أهم القوى الإسلامية التي استطاعت خلال العقود الماضية أن تبني مشروعا سياديا مستقلا في المنطقة ، فايران بما تمتلكه من قدرات عسكرية وعلمية وتأثير سياسي تحولت الى محور قوة يرفض الهيمنة الغربية ويرفع شعار الاستقلال ورفض التبعية . منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 دخلت ايران في صراع مفتوح مع المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط ، فقد اختارت أن تكون دولة ذات قرار مستقل وأن تدعم قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأن تقف بوجه السياسات الصهيونية التي سعت دائما الى تثبيت تفوقها العسكري والسياسي في المنطقة ، لذلك لم يكن مستغربا ان تتحول ايران الى هدف دائم للحصار والضغوط والعقوبات وصولا الى المواجهة العسكرية المباشرة . العدوان الأخير لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق الطويل فواشنطن وتل أبيب تدركان جيدا أن بقاء ايران قوية يعني استمرار توازن الردع في المنطقة ، ويعني أيضا بقاء محور إقليمي يرفض الخضوع للهيمنة الأمريكية لذلك فان الهدف الحقيقي للحرب يتجاوز اضعاف القدرات العسكرية الايرانية ليصل الى محاولة تفكيك مشروعها السياسي واسقاط نموذجها كقوة اسلامية صاعدة . لكن التجارب السابقة تشير إلى أن سياسة القوة لم تنجح في اخضاع ايران ، فقد خاضت حربا استمرت ثماني سنوات وتعرضت لعقوبات اقتصادية خانقة ومع ذلك استطاعت أن تطور صناعاتها العسكرية وأن تبني منظومات صاروخية وتقنيات متقدمة جعلتها لاعبا أساسيا في معادلات المنطقة هذه التجربة عززت لدى الايرانيين قناعة بأن الاعتماد على الذات والصمود أمام الضغوط هو الطريق الوحيد للحفاظ على السيادة . كما أن أي حرب واسعة على ايران لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية ، فالجغرافيا السياسية للمنطقة تجعل من أي مواجهة معها حدثا اقليميا بامتياز يمتد تأثيره الى الخليج والعراق وبلاد الشام وحتى أبعد من ذلك ، ولهذا فان اشعال الحرب لا يهدد إيران وحدها ، بل يضع المنطقة كلها أمام احتمالات الفوضى وعدم الاستقرار . ان ما يجري اليوم يكشف بوضوح طبيعة الصراع في الشرق الأوسط فهو ليس مجرد خلافات سياسية عابرة ، وانما صراع على هوية المنطقة وعلى حق شعوبها في امتلاك قرارها المستقل وفي هذا الاطار تبدو الحرب على إيران محاولة لاعادة رسم موازين القوى بما يضمن بقاء التفوق الصهيوني واستمرار النفوذ الأمريكي . ومع ذلك فان دروس التاريخ القريب تؤكد أن ارادة الشعوب كثيرا ما تكون أقوى من الحسابات العسكرية فالحروب التي تشن لكسر الارادات غالبا ما تنتهي بتعزيزها وقد تتحول الى نقطة تحول تعيد تشكيل المنطقة بطريقة لم تكن في حسبان من أشعلها ، لذلك فان مستقبل هذه الحرب لن يتحدد فقط في ميادين القتال ، بل في قدرة الشعوب على الصمود والدفاع عن حقها في السيادة والكرامة . |