قاسم الغراوي يُروى عن النبي ﷺ قوله: “لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين”، وهي حكمة خالدة تدعو إلى اليقظة وعدم تكرار الوقوع في نفس الخطأ، خصوصاً عند التعامل مع مصادر ثبت عدم مصداقيتها. وفي عالم السياسة، حيث تختلط التصريحات بالمصالح، تبرز هذه القاعدة كأداة تحليل مهمة لفهم سلوك القادة. في هذا السياق، تثير تصريحات دونالد ترامب الأخيرة بشأن “إيجابية المفاوضات” مع إيران، إلى جانب تأجيل أي ضربة تستهدف قطاع الكهرباء ومصادر الطاقة لمدة خمسة أيام، تساؤلات جدية حول مدى مصداقيتها. فهل تعكس هذه التصريحات نية حقيقية لخفض التصعيد، أم أنها مجرد تكتيك مرحلي يخدم أهدافاً أخرى؟ أن مثل هذه التصريحات (قد) تُستخدم كوسيلة لكسب الوقت، سواء لإعادة ترتيب الخطط العسكرية أو للتأثير على أسواق الطاقة العالمية، التي تتأثر بشدة بأي توتر في منطقة الخليج. فالتلويح بالتصعيد ثم تأجيله قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار، وهو ما قد تستفيد منه أطراف متعددة. لكن الإشكالية لا تقف عند هذا الحد، إذ إن سجل دونالد ترامب في التعامل مع إيران يعزز من حالة الشك فقد سبق أن تحدث عن فرص للحوار والتوصل إلى تفاهمات، قبل أن تتبع تلك التصريحات خطوات تصعيدية على أرض الواقع وهذا التناقض بين الخطاب والفعل يجعل من الصعب التعامل مع تصريحاته باعتبارها مؤشرات موثوقة على النوايا الفعلية، ثم من يضمن النتن ياهو الذي يصر على استمرار العدوان؟ ومن يضمن من هي المظلة الدولية التي ترعى هذا الاتفاق ؟ بناءً على ذلك، فإن التعامل مع مثل هذه التصريحات يتطلب قدراً عالياً من الحذر والتحليل، بعيداً عن الانخداع بالخطاب الظاهري ، فكما يشير الحديث الشريف، فإن التعلم من التجارب السابقة ضرورة، خاصة عندما تتكرر أنماط السلوك نفسها. الثقة في التصريحات السياسية لا تُبنى على الكلمات وحدها، بل على التوافق بين القول والفعل عبر الزمن ، وفي حالة دونالد ترامب، فإن التجارب السابقة خصوصاً فترة التفاوض مرتين مع ايران تدعو إلى التعامل بحذر وقراءة التصريحات ضمن سياق أوسع من المصالح والاستراتيجيات. |