م. م. أوس سمير قادر
إلى الأستاذ الذي يقف أمامنا كل يوم في قاعة الدرس: ربما يبدو لك الطالب الجالس أمامك مجرد اسمٍ يمر في سجل الحضور، أو رقمٍ عابر بين عشرات الأسماء، لكن الحقيقة التي قد لا تُرى بالعين أن خلف هذا المقعد حكاية إنسان. فالطالب الذي أمامك لم يصل إلى هنا صدفة. جاء بعد طريقٍ طويل من المحاولات، والعثرات، والسهر، والانتظار. جاء وهو يحمل حلمًا كبر معه عامًا بعد عام، وأمل عائلةٍ كاملة ترى في نجاحه بابًا لمستقبلٍ أفضل. وراء هذا المقعد قلبٌ خائف من الفشل، وروحٌ تتشبث بفرصةٍ أخيرة لتثبت أنها قادرة على النهوض. نحن لم نأتِ إلى الجامعة لننكسر، ولم نقطع كل هذه المسافات لنسمع ما يُطفئ في داخلنا الرغبة في الاستمرار. جئنا لأننا نؤمن أن العلم يمكن أن يغيّر حياة الإنسان، وأن الكلمة الصادقة قد تصنع فرقًا لا تصنعه السنوات. قد تبدو كلمة الأستاذ عابرة في لحظتها، لكنها في قلب الطالب قد تكون بداية طريق… أو نهاية حلم. فكلمة واحدة قد تمنح طالبًا ثقةً تعيده إلى الحياة من جديد، وكلمة أخرى قد تترك في روحه أثرًا لا يُمحى بسهولة. لهذا فالأستاذ الحقيقي لا يقف أمام طلابه ممتحنًا لعقولهم فقط، بل مسؤولًا أيضًا عن حفظ كرامتهم الإنسانية. الأستاذ الحقيقي لا يُقاس أثره بعدد المحاضرات التي ألقاها، بل بعدد القلوب التي أعاد إليها الإيمان بقدرتها على الاستمرار. تذكّر دائمًا أن الشهادة التي تمنحها ليست مجرد ورقة تُوقَّع وتُسلَّم، بل بابٌ يُفتح في مستقبل إنسان، وأثرٌ قد يرافقه طوال حياته. فكن لنا نورًا نهتدي به، لا عثرةً في الطريق. وكن كلمةً ترفعنا حين نتعب، لا صوتًا يزيد ثقل الطريق علينا. فالعلم بلا إنسانية قد يملأ العقول بالمعلومات، لكنه لن يصنع إنسانًا قادرًا على النهوض. أما الأستاذ الذي يزرع الأمل في طلابه، فهو لا يدرّس مادةً فقط… بل يصنع إنسانًا، ويبني ثقة، وقد يغيّر مصير حياة كاملة دون أن يدري. هذه كلماتٌ صادقة على لسان طالبٍ يرى في أستاذه طريقًا للعلم، ويدًا تعينه على النهوض لا سببًا للانكسار. |