بقلم / محمد السوداني لم يكن تأهل المنتخب العراقي إلى نهائيات كأس العالم 2026 حدثًا عابرًا في سجل الكرة الوطنية، بل كان ثمرة مشروع متكامل تداخلت فيه عوامل عدة، بدءًا من الدعم الحكومي الواضح، مرورًا بالإدارة الواعية داخل الاتحاد العراقي لكرة القدم بقيادة الكابتن عدنان درجال، وصولًا إلى البصمة الفنية التي وضعها المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي قاد “أسود الرافدين” بعقلية احترافية نحو كسر عقدة امتدت لأربعة عقود منذ الظهور التاريخي الوحيد في مونديال 1986. هذا التأهل لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكمات إيجابية على مستوى الاستقرار الإداري، والدعم اللوجستي، وتوفير بيئة مناسبة للاعبين، فضلاً عن قراءة فنية دقيقة لمتطلبات التصفيات بمختلف مراحلها، من الدور الأول إلى الملحقين القاري والعالمي. لقد أظهر المنتخب شخصية تنافسية عالية في اللحظات الحاسمة، ونجح في تجاوز اختبارات صعبة أكدت أن العراق عاد رقماً صعباً في القارة الآسيوية. لكن، وبينما تُرفع رايات الفرح ويُكتب هذا الإنجاز بأحرف من ذهب، تبرز حقيقة فنية لا يمكن تجاهلها، بل يجب الوقوف عندها بجدية: تراجع أداء المنتخب بشكل ملحوظ بعد تسجيل أي هدف. هذه الظاهرة تكررت بصورة لافتة منذ انطلاق التصفيات، مرورًا بالأدوار النهائية، وصولًا إلى الملحقين الآسيوي والعالمي، وكأن الفريق يفقد توازنه الذهني والتكتيكي بمجرد التقدم في النتيجة. ولم تكن هذه المشكلة الوحيدة، إذ برز خلل واضح في الواجبات الدفاعية، لا سيما في ما يتعلق بالضغط على الخصم عند امتلاكه الكرة. كثيرًا ما بدا الفريق متراجعًا إلى مناطقه، مانحًا المنافسين مساحات وفرصًا للعودة، وهو أمر قد يكون مقبولًا في بعض فترات التصفيات، لكنه لن يُغتفر في بطولة بحجم كأس العالم، حيث تُعاقب الأخطاء بأقصى درجات القسوة. إن ما تحقق يُحسب للجميع، لكن ما هو قادم يتطلب عملًا مضاعفًا. على غراهام أرنولد أن يعيد ضبط المنظومة التكتيكية، وأن يعزز ثقافة الاستمرارية في الأداء لدى اللاعبين، بحيث لا يكون الهدف بداية للتراجع، بل دافعًا لفرض السيطرة. كما أن على اللاعبين أنفسهم إدراك أن اللعب في المونديال لا يقبل أنصاف الحلول، وأن الانضباط الدفاعي والضغط الجماعي عنصران لا غنى عنهما. إن الجماهير العراقية، التي انتظرت هذا الحلم طويلًا، لا تريد مجرد مشاركة شرفية، بل تطمح إلى حضور مشرّف يعكس قيمة الكرة العراقية وتاريخها. وبين نشوة التأهل وواقعية التحديات، يقف “أسود الرافدين” اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول الإنجاز إلى نقطة انطلاق نحو كتابة تاريخ جديد، أو أن يبقى مجرد لحظة فرح عابرة. الوقت لا يزال متاحًا، لكن عقارب الساعة تتسارع، وكأس العالم في منتصف حزيران يطرق الأبواب… فهل يستثمر العراق هذه الفرصة التاريخية ويصحح مساره قبل فوات الأوان؟
|