د.سلام عودة المالكي تمهيد منهجي: في هذه المقاربة، نختار بوعيٍ تام تنحية المرجعيات العقائدية والموروث الديني جانباً؛ ليس زهداً في عمقها الفلسفي أو الأخلاقي ، بل لقطع الطريق على محاولات حصر الصراع في جدلية «المثالية الدينية» مقابل «الواقعية السياسية». إننا نتوجه بهذا النقد إلى أدعياء الحداثة ومنطق العصر، مستخدمين أدواتهم المعرفية ذاتها. سيكون متكؤنا هنا هو الفكر الفلسفي الغربي الذي أسس لمفاهيم الدولة والسيادة؛ وتحديداً عبر «سردية « نيتشه و»جدلية» هيغل. فمن قلب الحضارة الغربية، سنستخرج الأدوات التي تفكك «أخلاق العبيد» وتكشف عورة «السياسي المتخاذل». أولاً: في مختبر «كيّ الوعي» في اللحظات التي تشتد فيها الأزمات الوجودية، يبرز خطاب إعلامي يوزع (معنى الهزيمة) كـ «أرغفة ارتهان» مسمومة، محاولاً ترويض الوعي الجمعي ليتصالح مع الانكسار. هذا الخطاب ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو سقوط في فخاخ فلسفية تحاول تحويل «المعاناة الإنسانية « إلى «شرعية سياسية» للمجرم. إنها عملية جراحية لاستئصال إرادة المقاومة وزرع هزيمة نفسية استباقية تجعل الضحية تتوهم أن خلاصها يكمن في فنائها المعنوي مقابل لقمة عيش مغموسة بالذل. ثانياً:»مطرقة نيتشه وتفكيك سيكولوجيا التبعية: <أخلاق العبيد> في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر. يُقدم فريدريك نيتشه سرداً معرفياً دقيقاً لمنظومة «أخلاق العبيد Slave Morality « بوصفها آلية دفاعية تعيد تعريف الهزيمة كفضيلة؛ حيث يُغلف العجز بغطاء من «الحكمة»، وتُسوق التبعية كـ «واقعية سياسية»، ويتحول الجبن إلى «تعقل» يهرب من استحقاقات إرادة القوة. يتجسد هذا المفهوم سياسياً في الخطاب الإعلامي الموجه الذي لا يسعى لبناء وطن سيد، بل يروج لسيكولوجيا «العبد» التي تقدس الأمان المشروط على حساب الحرية المسؤولة، وتبحث دوماً عن «سرابُ <سيدٍ عطوف> يُقايض الأمان الزائف بسحق إرادة السيادة». إن جوهر هذه الأزمة يكمن في احتراف دور الضحية وإسقاط الفشل البنيوي على «عدو» خارجي، في محاولة بائسة للتنصل من مسؤولية المواجهة التاريخية وبناء الذات السيادية. ثالثاً: هيغل وجدلية «السياسي المتخاذل» يقدم جورج هيغل في (فينومينولوجيا الروح) تشريحاً دقيقاً لـ «السياسي المتخاذل» عبر (جدلية العبد والسيد). يرى هيغل أن الوعي لا يتحرر إلا بالمخاطرة بالحياة في سبيل «الاعتراف». أما السياسي الذي يرتضي البقاء تحت رحمة السيد بأي ثمن، فهو الوعي الذي توقف عند عتبة الخوف من الموت، فاختار «البقاء الجسدي» على الكرامة السيادية. هذا السياسي يتحول إلى «وكيل للهزيمة»، يسوق لفكرة أن العدو «قدرٌ محتوم» لا يُرد، مغيباً دور الإرادة الإنسانية في صناعة التاريخ، ليصبح في نهاية المطاف مجرد أداة في يد السيد، شاكراً جلاده لأنه قايض حريته بـ «بقوت الاذلال «. رابعاً: صفعة التاريخ لمنطق «الواقعية» إن القراءة الباردة لموازين القوى، التي يتذرع بها دعاة الانكسار، تسقط دائماً أمام اختبار التاريخ. فلو خضع العالم لمنطق «الواقعية الاستسلامية»، لما تحررت الشعوب من قيود الإمبراطوريات العظمى. التاريخ يثبت أن (إرادة الشعوب) هي المتغير الذي يكسر جمود «الموازين»؛ التي يتذرع بها دعاة الانكسار، تسقط دائماً أمام اختبار التاريخ. فلو خضع العالم لمنطق «الواقعية الاستسلامية»، لما تحررت فيتنام من الجحيم الأمريكي، ولما سقط جدار برلين، ولما نالت شعوب أفريقيا استقلالها من مخالب الاستعمار «السيد « ،ولما صمدت إيران كل هذه السنوات الطويلة امام الحصار والتحديات والعدوان، فالحق الذي لا تسنده قوة هو ضياع، والقوة التي لا يواجهها وعيٌ سيادي هي استعباد مؤبد. إن «الواقعية» الحقيقية ليست قبولاً بالأمر الواقع، بل هي القدرة على تغيير الواقع برفض شروط العبودية. الخاتمة: استرداد السيادة إن «وهم النجاة بالانكسار» هو الفخ الأخير الذي ينصبه المجرم وأعوانه. فالخلاص الحقيقي لا يأتي من «سيد يمنّ بالرحمة»، بل من تحطيم أخلاق العبيد واستعادة إرادة القوة. إن السياسي الذي يرتضي البقاء تحت رحمة السيد «بأي ثمن» هو ميت تاريخياً وإن كان يتنفس، والوطن لا يُبنى بوعي «مؤن الاستلاب» ، بل بوعي السيادة المطلقة. المواجهة تبدأ من تحرير المصطلح؛ فلا نجاة في الانكسار، ولا حكمة في الخنوع، والحرية هي الاعتراف الذي يُنتزع ولا يُوهب. |