امجد عبد الكريم قد تبدو أرقام صادرات النفط العراقية لشهر آذار مجرد بيان إداري روتيني، لكنها تفتح بابًا لسؤال أوسع: ماذا لو لم تكن هذه الأرقام استثناءً بل مؤشرًا لاتجاه قادم؟ الإحصائية تشير إلى تصدير نحو 18.6 مليون برميل خلال شهر واحد، أي ما يقارب 620 ألف برميل يوميًا، وهو مستوى يقل بشكل حاد عن المعدل المعتاد للعراق الذي يتجاوز عادة 3 ملايين برميل يوميًا. هذا التراجع الكبير، إذا قُرئ كاتجاه لا كحادث، يعني عمليًا تقليصًا حادًا في القدرة التصديرية للعراق. انعكاس ذلك يظهر مباشرة في جانب الإيرادات، إذ سجلت العوائد نحو 1.95 مليار دولار فقط. وفي اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، فإن أي تراجع بهذا الحجم لا يبقى في الإطار المالي، بل يمتد إلى القدرة العامة للدولة على إدارة التزاماتها، من المشاريع إلى الخدمات. في هذا السياق، تبرز زاوية أكثر حساسية تتعلق بقدرة الدولة على تأمين الرواتب والنفقات التشغيلية. فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة، وأي تراجع في حجم التصدير أو الأسعار ينعكس فورًا على السيولة المتاحة شهريًا. إذا قورنت الأرقام الحالية بالوضع الطبيعي للتصدير عند مستوى يقارب 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يوميًا، فإن الفجوة تصبح واضحة. ففي السيناريو التقليدي، يمكن أن تتجاوز الإيرادات الشهرية 5 إلى 6 مليارات دولار بحسب الأسعار العالمية، بينما لا يتجاوز المستوى الحالي نحو 1.95 مليار دولار. هذا يعني فجوة شهرية قد تصل إلى 3–4 مليارات دولار. هذه الفجوة ليست رقمًا نظريًا، بل تعني عمليًا ضغطًا مباشرًا على قدرة الدولة في دفع الرواتب وتمويل النفقات الأساسية. فبقاء الوضع على هذا النحو قد يضع الموازنة أمام ثلاثة مسارات: السحب من الاحتياطيات النقدية، أو زيادة الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي، أو تأجيل وتقليص بعض بنود الإنفاق الاستثماري والخدمي. وإذا ما امتد هذا النمط لعدة أشهر، فإن التحدي يتحول من فجوة سيولة مؤقتة إلى عجز تراكمي يضغط على الدين العام ويقلص هامش الحركة المالية للحكومة، خصوصًا مع ثقل بند الرواتب الذي يشكل الجزء الأكبر من الإنفاق التشغيلي. في البعد الجغرافي، تبرز حساسية إضافية تتعلق بمسارات التصدير، خصوصًا تلك المرتبطة بالشمال وخط جيهان. فحتى مع انخفاض الكميات، يبقى جزء من الصادرات معتمدًا على منفذ واحد، ما يرفع مستوى الهشاشة أمام أي اضطراب سياسي أو تفاوضي في الإقليم. في المحصلة، لا تبدو الأرقام مجرد وصف لحالة شهر واحد، بل مؤشرات تستحق القراءة كإشارات مبكرة. فحين تنخفض القدرة التصديرية بهذا الشكل، لا يكون السؤال عن الرقم نفسه، بل عن ما إذا كان يمثل لحظة عابرة، أم بداية مسار جديد. |