بقلم / محمد السوداني في المشهد السياسي العراقي، تبرز شخصيات لا تصنع حضورها بالضجيج ولا تحتاج إلى استعراض، بل تفرض نفسها بما تمتلكه من رصيد وطني، وتجربة متراكمة، وصدق نادر في زمن الالتباس. من بين هذه الشخصيات يطلّ اسم دولة رئيس مجلس الوزراء الأسبق الدكتور إياد علاوي، بوصفه نموذجاً للقيادة الهادئة ذات الكاريزما العفوية، التي لا تُصنّع ولا تُستعار. علاوي لم يكن سياسياً تقليدياً، بل رجل دولة تشكّلت ملامحه من تجربة وطنية شاقة، وحضور عقلاني اتسم بالحكمة والاتزان، وقدرة لافتة على إدارة الملفات المعقدة في أكثر مراحل العراق حساسية. ورغم ما حققه من إنجازات ومحطات مفصلية، إلا أن هذه التجربة لم تُمنح المساحة الإعلامية والسياسية التي تستحقها، لأسباب تتجاوز الشخص إلى طبيعة المرحلة وتعقيداتها.ما يميّز شخصية إياد علاوي ليس فقط تاريخه التنفيذي والسياسي، بل منظومة القيم التي حملها معه إلى العمل العام: الصدق في الموقف، والوفاء في العلاقة، والوضوح في الرؤية. وهي صفات نادراً ما تجتمع في رجل سياسة، لكنها كانت حاضرة في سلوكه وخطابه، وفي علاقته مع المختلفين قبل المتفقين. وإذا كان الحاضر السياسي يقرأ من خلال المناصب، فإن الجذور تُقرأ من خلال التاريخ الاجتماعي. فعائلة علاوي في محافظة ميسان، وتحديداً في مدينة العمارة، تمثل إحدى العائلات العريقة التي كان لها حضورها الاجتماعي والوطني المعروف. تاريخٌ ارتبط بالمواقف، وبخدمة الناس، وبعلاقات متينة مع شيوخ العشائر ووجهاء المحافظة، في زمن كانت فيه الكلمة موقفاً، والموقف مسؤولية. لقد شكّلت العلاقة الوطيدة بين عائلة علاوي وقبيلة البو محمد، ومع شيوخها، ومنهم الشيخ مجيد الخليفة، نموذجاً للتلاحم الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل والعمل المشترك في خدمة أبناء ميسان. تلك العلاقة لم تكن ظرفية أو مصلحية، بل امتداداً لتاريخ من الثقة والتكافل، حيث كانت العائلة حاضرة في السلم كما في الشدائد، وفي المواقف العامة كما في التفاصيل الإنسانية. إن الحديث عن إياد علاوي لا يكتمل دون الإشارة إلى هذا الامتداد الاجتماعي، الذي منح شخصيته بعداً إضافياً، وجعل من خطابه السياسي أكثر التصاقاً بالناس وهمومهم. فهو ابن بيئة تعرف معنى الدولة، وتحترم التقاليد، وتوازن بين الانتماء الوطني والجذور المحلية، دون تناقض أو ازدواجية. اليوم، ونحن نعيد قراءة تجاربنا السياسية بعيون أكثر هدوءاً، تبدو تجربة إياد علاوي جديرة بالتأمل لا بالمجاملة، وبالإنصاف لا بالمقارنة السطحية. فهي تجربة قيادة حاولت أن تؤسس للدولة في زمن كانت فيه الدولة فكرة مهددة، وأن تحافظ على البوصلة الوطنية وسط رياح متعاكسة. إن إنصاف الشخصيات الوطنية لا يعني العودة إلى الماضي، بل يعني فهمه جيداً، والبناء على دروسه. وإياد علاوي، بما يمثله من كاريزما صادقة، وتاريخ عائلي واجتماعي راسخ، وتجربة سياسية لم تُستهلك إعلامياً، يبقى أحد العناوين المهمة في ذاكرة الدولة العراقية الحديثة، ورمزاً لمرحلة تحتاج إلى قراءة عادلة ومنصفة.
|